فهرس الكتاب

الصفحة 2951 من 4102

ج / 8 ص -260- الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ الْمُزَنِيِّ قَالَ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي الْفَرَعِ: هُوَ شَيْءٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَذْبَحُ بِكْرَ نَاقَتِهِ أَوْ شَاتِه فَلَا يُغَذُّوهُ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ فِيمَا يَأْتِي بَعْدَهُ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ فَقَالَ:"فَرِّعُوا إنْ شِئْتُمْ"وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوْفًا أَنْ يُكْرَهَ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لَا مَكْرُوهَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ اخْتِيَارًا أَنْ يُغَذُّوهُ ثُمَّ يَحْمِلُوا عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"الْفَرَعُ حَقٌّ"مَعْنَاهُ لَيْسَ بَاطِلًا، وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ1"وَاجِبَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الذَّبْحَ وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْعَتِيرَةُ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ، وَهِيَ ذَبِيحَةٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ يَتَبَرَّرُونَ بِهَا فِي رَجَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَا عَتِيرَةَ"أَيْ لَا عَتِيرَةَ وَاجِبَةٌ. قَالَ: وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ"أَيْ اذْبَحُوا إنْ شِئْتُمْ وَاجْعَلُوا الذَّبْحَ لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ؛ لِأَنَّهَا فِي رَجَبٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الشَّهْرِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله.

وَذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ وَالدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْفَرَعُ وَالْعَتِيرَةُ لَا يُسْتَحَبَّانِ، وَهَلْ يُكْرَهَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَكْرَهَانِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ:"لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ"والثاني: لَا يُكْرَهَانِ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ بِالتَّرَخُّصِ فِيهِمَا، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ"لَا فَرَعَ"بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أحدها: جَوَابُ الشَّافِعِيِّ السَّابِقُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْوُجُوبِ والثاني: أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ مَا كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِأَصْنَامِهِمْ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا كَالْأُضْحِيَّةِ فِي الِاسْتِحْبَابِ أَوْ ثَوَابِ إرَاقَةِ الدَّمِ، فَأَمَّا تَفْرِقَةُ اللَّحْمِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَبِرٌّ وَصَدَقَةٌ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي"سُنَنِ حَرْمَلَةَ"أَنَّهَا إنْ تَيَسَّرَتْ كُلَّ شَهْرٍ كَانَ حَسَنًا، فَالصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاقْتَضَتْهُ الْأَحَادِيثُ أَنَّهُمَا لَا يُكْرَهَانِ بَلْ يُسْتَحَبَّانِ هَذَا مَذْهَبُنَا. وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ مَنْسُوخٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُعَاقَرَةِ الْأَعْرَابِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ2 قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: مُعَاقَرَةُ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَبَارَى رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَاخِرُ صَاحِبَهُ، فَيَعْقِرُ كُلُّ وَاحِدٍ عَدَدًا مِنْ إبِلِهِ، فَأَيُّهُمَا كَانَ عَقْرُهُ أَكْثَرَ كَانَ غَالِبًا، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَحْمَهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. قَالَ أَهْلُ الْغَرِيبِ"الْعَقْرُ هُوَ أَنْ يَعْقِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفَاخَرَةً لِصَاحِبِهِ، فَهُوَ نَحْوُ مُعَاقَرَةِ الْأَعْرَابِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد3 وَقَالَ: أَكْثَرُ الرُّوَاةِ لَمْ يَذْكُرُوا ابْنَ عَبَّاسٍ، بَلْ جَعَلُوهُ مُرْسَلًا."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في ش. و. ق. والوحيدة الطبعة السابقة أدرجت واجبة في متن الحديث ولكنها سيقت على سبيل البيان لمعنى لا فهي ليست للنهي وإنما جاءت لنفي الوجوب فهي على هذا تفسيرية فتكون خارج علامة التنصيص (ط) .

2 وأخرجه أبو داود عن أنس أيضًا وأفرد السيوطي في"الصغير"روايته عن أبي داود وعزاه إليهما في"الكبير" (ط) .

3 ورواه ابن ماجه عن ابن عباس أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت