فهرس الكتاب
ج / 9 ص -19- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ حَلَّ أَكْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:"وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ"وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الرِّيفِ وَالْقُرَى وَذَوِي الْيَسَارِ وَالْغِنَى دُونَ الْأَجْلَافِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الضَّرُورَةِ، فَإِنْ اسْتَطَابَ قَوْمٌ شَيْئًا وَاسْتَخْبَثَهُ قَوْمٌ رُجِعَ إلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، فَإِنْ اتَّفَقَ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ نُظِرَ إلَى مَا يُشْبِهُهُ فَإِنْ كَانَ حَلَالًا حَلَّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا حَرُمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ فِيمَا يَحِلُّ وَلَا فِيمَا يَحْرُمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ: أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ يَحِلُّ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: من الآية145] وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه مَا سُكِتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَيَوَانِ التَّحْرِيمُ، فَإِذَا أَشْكَلَ بَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ.
الشرح: هَذَا الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْهُ هَكَذَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ عَفْوِهِ"قَالَ أَصْحَابُنَا: مِنْ الْأُصُولِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ الِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِخْبَاثُ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله الْأَصْلُ الْأَعْظَمُ الْأَعَمُّ1 وَلِهَذَا أُفْسِحَ الْبَابُ، وَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: من الآية4] قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ هُنَا الْحَلَالَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْحَلَالَ لَكَانَ تَقْدِيرُهُ أُحِلَّ لَكُمْ الْحَلَالُ، وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطَّيِّبَاتِ مَا يَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ، وَبِالْخَبَائِثِ مَا تَسْتَخْبِثُهُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى طَبَقَاتِ النَّاسِ، وَيَنْزِلُ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى مَا يَسْتَطِيبُونَهُ أَوْ يَسْتَخْبِثُونَهُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَاضْطِرَابِهَا، وَذَلِكَ يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ، قَالُوا: فَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْعَرَبِ، فَهُمْ أَوْلَى الْأُمَمِ بِأَنْ يُؤْخَذَ بِاسْتِطْيَابِهِمْ وَاسْتِخْبَاثِهِمْ لِأَنَّهُمْ الْمُخَاطَبُونَ أَوَّلًا، وَهُمْ جِيلٌ مُعْتَدِلٌ لَا يَغْلِبُ فِيهِمْ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَلَا الْعَفَافَةُ الْمُتَوَلَّدَةُ مِنْ التَّنَعُّمِ فَيُضَيِّقُوا الْمَطَاعِمَ عَلَى النَّاسِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْقُرَى وَالرِّيفِ دُونَ أَجْلَافِ الْبَوَادِي الَّذِينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل وأقول الذي رواه البيهقي في كتاب أحكام القرآن للشافعي بإسناد عن الشافعي قال: وأهل التفسير أو من سمعت منهم يقول في قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} يعني مما كنتم تأكلون فإن العرب قد كانت تحرم أشياء على أنها من الخبائث وتحل أشياء على أنها من الطيبات فأحلت لهم الطيبات عندهم إلا ما استثنى منها وحرمت عليهم الخبائث وفي مختصر المزني نحوه وفي الأم ص 217 في السنن الكبرى نحو هذا الذي سقناه وهذا يلقي ضوءا على عبارة الشارح من اعتبار الشافعي للأصل والأعظم والأعم والمعتمد فيه وهو قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (ط) .