فهرس الكتاب
ج / 9 ص -31- يَجُوزُ لِوَالِدٍ قَتْلُ وَلَدِهِ لِيَأْكُلَهُ، وَلَا لِلسَّيِّدِ قَتْلُ عَبْدِهِ لِيَأْكُلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ. أَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُضْطَرُّ إلَّا آدَمِيًّا مَيِّتًا مَعْصُومًا فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ الصحيح: الْجَوَازُ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ آكَدُ والثاني: لَا، لِوُجُوبِ صِيَانَتِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ كَافِرًا حَلَّ أَكْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَوَجْهَانِ.
ثُمَّ إنَّ الْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ، قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: لَا، إذَا كَانَ الْمَيِّتُ نَبِيًّا فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ، لِكَمَالِ حُرْمَتِهِ وَمَزِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ جَوَّزْنَا الْأَكْلَ مِنْ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهُ إلَّا مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ بِلَا خِلَافٍ حِفْظًا لِلْحُرْمَتَيْنِ، قَالَ: وَلَيْسَ لَهُ طَبْخُهُ وَشَيُّهُ، بَلْ يَأْكُلُهُ نِيئًا لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ وَفِي طَبْخِهِ هَتْكٌ لِحُرْمَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَيْتَاتِ، فَإِنَّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلَهَا نِيئَةً وَمَطْبُوخَةً، وَلَوْ كَانَ الْمُضْطَرُّ ذِمِّيًّا وَوَجَدَ مُسْلِمًا فَفِي حِلِّ أَكْلِهِ لَهُ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ، وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَالْقِيَاسُ تَحْرِيمُهُ لِكَمَالِ شَرَفِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ وَجَدَ مَيْتَةً وَلَحْمَ آدَمِيٍّ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَلَمْ يَجُزْ أَكْلُ الْآدَمِيِّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَيْتَةُ خِنْزِيرًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَلَحْمَ آدَمِيٍّ أَكَلَ الصَّيْدَ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ.
فرع: لَوْ أَرَادَ الْمُضْطَرُّ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ فَخِذِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِيَأْكُلَهَا، فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْهُ كَالْخَوْفِ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ أَوْ أَشَدَّ، حَرُمَ الْقَطْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَصَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَإِلَّا فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ والثاني: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ وَالنُّسَخِ، وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَجِدَ شَيْئًا غَيْرَهُ، فَإِنْ وَجَدَ حَرُمَ الْقَطْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْطَعَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَعْصُومٍ غَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَعْضَائِهِ شَيْئًا لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمُضْطَرِّ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ.
السَّابِعَةُ: إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا حَلَالًا طَاهِرًا لِغَيْرِهِ فَلَهُ حَالَانِ أحدهما: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَائِبًا، فَإِنْ حَضَرَ نُظِرَ إنْ كَانَ الْمَالِكُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ أَيْضًا فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَفْضُلْ عَنْ حَاجَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَالِكِ نَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ بَذْلُهُ لَهُ، هَكَذَا قَالُوهُ، وَالْحُكْمُ صَحِيحٌ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَتُتَصَوَّرُ فِي زَمَنِ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام وَقَدْ تَكُونُ مَسْأَلَةً عِلْمِيَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ آثَرَ الْمَالِكُ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: من الآية9] قَالُوا: وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ مُسْلِمًا1، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في أمر التبرع بالكلية أو بأجزاء من الجسم أو بالدم لأخيه المسلم لأنجائه من الهلاك المحقق على ضوء ومسار هذا البحث والله أعلم.