فهرس الكتاب
ج / 9 ص -68- وَاحْتُجَّ لِابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ بِقَوْلِهِ تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } [المائدة: من الآية4] فَخَصَّهُ بِالْكِلَابِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِلْحَسَنِ وَمُوَافِقِيهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } [المائدة: من الآية4] قَالُوا: وَالْجَوَارِحُ تُطْلَقُ عَلَى السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ. وَالْجَارِحَةُ الْكَاسِبُ، فَكُلُّ كَاسِبٍ مِنْهَا جَارِحَةٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: الْجَوَارِحُ مِنْ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ذَوَاتُ الصَّيْدِ، وَبِهَذِهِ الْحُرُوفِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ: الْجَوَارِحُ هِيَ الْكَوَاسِبُ مِنْ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ ذَوَاتِ الصَّيْدِ، وَاحِدُهَا جَارِحَةٌ، وَالْكَلْبُ الضَّارِي جَارِحَةٌ، سُمِّيَتْ جَوَارِحَ لِأَنَّهَا كَوَاسِبُ أَنْفُسِهَا، مِنْ جَرَحَ وَاجْتَرَحَ إذَا اكْتَسَبَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ الطَّيْرَ الصَّائِدَةَ، وَالْكِلَابَ وَالْفُهُودَ وَسِبَاعَ الطَّيْرِ، كَالشَّوَاهِينِ وَالْبَوَاشِقِ وَالْعُقْبَانِ، فَمَا اصْطَادَتْ هَذِهِ فَهُوَ حَلَالٌ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ اللَّيْثُ: سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ الصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَمَا يَصْطَادُ مِنْ السِّبَاعِ فَقَالَ: هَذِهِ كُلُّهَا جَوَارِحُ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُمَا قَالَا: الْجَوَارِحُ الْكِلَابُ دُونَ غَيْرِهَا. قَالَا: وَمَا صَادَ غَيْرُ الْكِلَابِ وَلَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ لَمْ يَحِلَّ، وَمِثْلُهُ عَنْ السُّدِّيِّ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ قَالَ: وقوله تعالى: {مُكَلِّبِينَ} لِلْكَلْبِ: الَّذِي يُعَلِّمُ الْكِلَابَ الصَّيْدَ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ صَيْدُ الْكِلَابِ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: مُؤَدِّبِينَ. هَذَا آخِرُ نَقْلِ الْوَاحِدِيِّ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مَعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكَلْبِ.
وأما الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ حَدِيثُ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ"، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ:"إذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ"فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ مُجَالِدًا1 ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ذِكْرُ الْبَازِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْحُفَّاظُ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ مُجَالِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا وَفِي ضِمْنِهِ الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ وأما الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَتْلِهِ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ، مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } [المائدة: من الآية4] وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَدِيٍّ:"إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ فَكُلْ"قَالَ: فَالْقَوْلُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجِبٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُمَا إلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني ليس بالقوي وقد تغير في أخر عمره من صغار السادسة ا هـ من التقريب (ط) .