فهرس الكتاب

الصفحة 3170 من 4102

ج / 9 ص -173- يَسُدُّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ، فَكَانَ فِي حُكْمِ الضَّرُورَةِ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ.

فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الزَّيْتِ النَّجِسِ وَالسَّمْنِ النَّجِسِ. ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: يُمْكِنُ غَسْلُهُ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ كَالثَّوْبِ النَّجَسِ، وَكَمَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ، وَالصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ، وَقَالَ دَاوُد: يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ دُونَ السَّمْنِ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْكَلْبِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، وَبِحَدِيثِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَإِيضَاحُ طُرُقِهِ فِي آخِرِ بَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى اللَّبَنِ وَالْخَلِّ وَنَحْوِهِمَا إذَا وَقَعَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ وَالْجَوَابُ: عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الثَّوْبِ أَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الدُّهْنِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالثَّوْبِ هِيَ اللُّبْسُ، وَهُوَ حَاصِلٌ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَالْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالزَّيْتِ الْأَكْلُ، وَهُوَ حَرَامٌ. وأما جَوَازُ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الْبَيْعِ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ إطْعَامُ الْمَيْتَةِ لِلْجَوَارِحِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وأما الْوَصِيَّةُ بِهِ فَمَبْنَاهَا عَلَى الرِّفْقِ وَالْمُسَاهَلَةِ، وَلِهَذَا احْتَمَلَتْ أَنْوَاعًا مِنْ الْغَرَرِ وأما الصَّدَقَةُ فَكَالْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ إنْ صَحَّحْنَاهَا. وَفِيهَا خِلَافٌ سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا مُتَّصِلًا بِهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فرع: قَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ هِبَةُ الزَّيْتِ النَّجِسِ وَلَا التَّصَدُّقُ بِهِ، قَالَ: وَأَرَادُوا بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ فأما: عَلَى سَبِيلِ نَقْلِ الْيَدِ فَيَجُوزُ كَمَا قُلْنَا فِي الْكَلْبِ. هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ وأما قَوْلُهُ: بِجَوَازِ نَقْلِ الْيَدِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ وَأَمَّا تَمَلُّكُهُ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْكَلْبِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الطَّاهِرَةُ فَضَرْبَانِ ضَرْبٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَضَرْبٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فأما: مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْحَشَرَاتِ وَالسِّبَاعِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ، وَالطُّيُورِ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ وَلَا تَصْطَادُ، كَالرَّخَمَةِ وَالْحِدَأَةِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ الْغُرَابِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، لِأَنَّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَبَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ السَّفَهِ.

الشرح: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ شُرُوطَ الْمَبِيعِ خَمْسَةٌ إحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَهَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ سَبَبَانِ أحدهما: الْقِلَّةُ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُعَدُّ مَالًا، قَالُوا: وَلَا يُنْظَرُ إلَى حُصُولِ النَّفْعِ بِهِ إذَا ضُمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا إلَى مَا قَدْ يُفْرَضُ مِنْ وَضْعِ الْحَبَّةِ فِي فَخٍّ يُصْطَادُ بِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ لَا تُقْصَدُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا فَرْقَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ زَمَنِ الرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ هَذِهِ الْحَبَّةِ مِنْ صُبْرَةِ الْغَيْرِ، فَإِنْ أَخَذَهَا كَانَ عَاصِيًا وَلَزِمَهُ رَدُّهَا، فَإِنْ تَلِفَ فَوَجْهَانِ الصحيح: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهَا إذْ لَا مَالِيَّةَ لَهَا والثاني: وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ: يَلْزَمُهُ ضَمَانُ مِثْلِهَا لِأَنَّهَا مِثْلِيَّةٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ بُطْلَانِ بَيْعِ الْحَبَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَشَذَّ الْمُتَوَلِّي فَحَكَى وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ السَّبَبُ الثَّانِي: الْحَيَّةُ كَالْحَشَرَاتِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت