فهرس الكتاب
ج / 9 ص -215- خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ أحدهما: يَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ والثاني: لَا يَثْبُتُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْفَوْرِ، لِئَلَّا يَثْبُتَ خِيَارُ مَجْلِسَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ، قَالَ: وَالْفَرْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ إلَى الْوَارِثِ فَإِلَى مَتَى يَمْتَدُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: عَلَى الْفَوْرِ والثاني: مَا دَامَ الْوَارِثُ فِي مَجْلِسِ خَبَرِ الْمَوْتِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً.
الثَّالِثُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَسْتَصْوِبُهُ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إجَازَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أصحهما: يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي خِيَارِ الْخُلْفِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ والثاني: لَا، لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْصٍ وَلَا غَرَضٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ، كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي الِاخْتِيَارِ.
الرَّابِعُ: إذَا لَمْ نَشْتَرِطْ الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ رَأَيْتَ الْمَبِيعَ فَلَا خِيَارَ لَكَ، فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَوجهان أصحهما: يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ والثاني: الْبَائِعُ، فَإِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَقْدِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَلَا يَنْفَكُّ هَذَا عَنْ خِلَافٍ، قُلْتُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي شَرْطٍ يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَفِيهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ، الْأَصَحُّ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ والثاني: قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَادِ، فَيَتَعَيَّنُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَعَلَّ الْغَزَالِيَّ فَرَّعَهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
فرع: لَوْ رَأَى ثَوْبَيْنِ فَسَرَقَ أَحَدَهُمَا فَاشْتَرَى الثَّانِيَ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا الْمَسْرُوقَ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: إنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَصِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا كَنِصْفَيْ كِرْبَاسٍ وَاحِدٍ صَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا بَيْعُ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُنَا وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ مَرْئِيًّا حَالَةَ الْعَقْدِ، وَقَدْ سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ فَاكْتُفِيَ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَمْرِو بْنَ الصَّلَاحِ رحمه الله تعالى: - اعْتَرَضَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِي هَذَا الْفَرْعِ فَقَالَ: جَزَمَ بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا تَسَاوَتْ صِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا وَقِيمَتُهُمَا مَعَ إجْرَائِهِ الْخِلَافَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ يُوجِبُ إجْرَاءَ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْأَوْصَافِ فِي صُورَةِ التَّسَاوِي كَمَا أَجْرَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأُنْمُوذَجِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مُسَاوَاةَ غَيْرِ الْمَبِيعِ لِلْمَبِيعِ فِي الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ بِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ كَالْأُنْمُوذَجِ الَّذِي لَيْسَ بِمَبِيعٍ، الْمُسَاوِي فِي الصِّفَةِ لِلْمَبِيعِ وَلَا فَرْقَ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ التَّسَاوِي فِي الْقِيمَةِ اعْتِبَارٌ لِلْقِيمَةِ مَعَ الْوَصْفِ وَلَا وُجُودَ لِمِثَالِهِ فِي هَذَا الْبَابِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو، وَهَذَانِ الِاعْتِرَاضَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فَاسِدَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ"فَلَيْسَ هَذَا كَمَسْأَلَةِ الْأُنْمُوذَجِ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ الْأُنْمُوذَجِ لَيْسَ مَرْئِيًّا وَلَا سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ، وَهُنَا سَبَقَتْ رُؤْيَةُ الثَّوْبَيْنِ وأما قَوْلُهُ: يَجِبُ إجْرَاءُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْأُولَى فَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ مُخْتَلِفَانِ، فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ بِخِلَافِ الْأُولَى وأما الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَدْ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ مَعَ اتِّحَادِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فِي نَحْوِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ."