فهرس الكتاب
ج / 9 ص -249- فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّمَا يَجُوزُ الْأَجَلُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ فأما: إذَا أَجَّلَ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرَيْت بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَنْ أُسَلِّمَهَا فِي وَقْتِ كَذَا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ حَلَّ الْأَجَلُ وَأَجَّلَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مُدَّةً أُخْرَى، أَوْ زَادَ فِي الْأَجَلِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ، فَهُوَ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَوَافَقْنَا عَلَى أَنَّ بَدَلَ الْإِتْلَافِ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ، وَلَوْ أَوْصَى مَنْ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى إنْسَانٍ بِإِمْهَالِهِ مُدَّةً لَزِمَ وَرَثَتَهُ إمْهَالُهُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، لِأَنَّ التَّبَرُّعَاتِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَلْزَمُ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَلَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ الْأَجَلَ، فَهَلْ يَسْقُطُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ؟ فِيهِ وجهان أصحهما: لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَجَلَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ لَوْ أَسْقَطَ صِفَةَ الْجَوْدَةِ وَالصِّحَّةِ لَمْ يَسْقُطْ؟.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْبَيْعِ إلَى الْعَطَاءِ وَالْحَصَادِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْآجَالِ الْمَجْهُولَةِ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ: يَجُوزُ بِثَمَنٍ إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالْعَطَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إذَا بَاعَ إلَى الْعَطَاءِ صَحَّ، وَكَانَ الثَّمَنُ حَالًّا قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ كَمَجِيءِ الشَّهْرِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ، لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إذَا نَبَذْت هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَلَا بَيْعَ الْمُلَامَسَةِ وَهُوَ أَنْ يَمَسَّ الثَّوْبَ بِيَدِهِ وَلَا يَنْشُرهُ، وَإِذَا مَسَّهُ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعَتَيْنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ"وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ: إذَا نَبَذْتُ هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ وَلَا يَنْشُرُهُ، فَإِذَا مَسَّهُ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَلِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَ وُجُوبَ الْبَيْعِ عَلَى نَبْذِ الثَّوْبِ فَقَدْ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا لَمْ يَنْشُرْ الثَّوْبَ فَقَدْ بَاعَ مَجْهُولًا وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَصَى، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْحَصَى مِنْ ثَوْبٍ أَوْ أَرْضٍ، لِمَا رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَى"وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبْلِ الْحَبَلَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ"وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: هُوَ بَيْعُ السِّلْعَةِ بِثَمَنٍ إلَى أَنْ تَلِدَ النَّاقَةُ وَيَلِدَ حَمْلُهَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ بَيْعُ مَا يَلِدُ حَمْلُ النَّاقَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فَهُوَ بَيْعٌ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فَهُوَ بَيْعٌ مَعْدُومٌ وَمَجْهُولٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ"فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً فَلَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى ثَمَنٍ مَعْلُومٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَك بِأَلْفٍ، فَلَا يَصِحُّ