فهرس الكتاب
ج / 9 ص -253- بَعِيدٌ، فَلَا أَثَرَ لِخِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ، فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ وَرَعًا مَحْبُوبًا، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُوَرِّثُ شُبْهَةً، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ دَلِيلَهُ خَبَرُ آحَادٍ، فَتَرَكَهُ إنْسَانٌ لِكَوْنِ بَعْضِ النَّاسِ مَنَعَ الِاحْتِجَاجَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهَذَا التَّرْكُ لَيْسَ بِوَرَعٍ، بَلْ وَسْوَاسٍ، لِأَنَّ الْمَانِعَ لِلْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَمَا زَالَتْ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
قَالَ: وَلَوْ أَوْصَى بِمَالٍ لِلْفُقَهَاءِ فَالْفَاضِلُ فِي الْفِقْهِ مُدْخَلٌ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْمُبْتَدِئُ مِنْ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ يَجْتَهِدُ الْمُفْتِي فِيهِمَا، وَالْوَرَعُ لِهَذَا الْمُتَوَسِّطِ تَرْكُ الْأَخْذِ مِنْهَا، وَإِنْ أَفْتَاهُ الْمُفْتِي فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْوَصِيَّةِ، قَالَ: وَكَذَا الصَّدَقَاتُ الْمَصْرُوفَةُ إلَى الْمُحْتَاجِينَ قَدْ يُتَرَدَّدُ فِي حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ، وَكَذَا مَا يَجِبُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَكِسْوَةِ الزَّوْجَاتِ وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: إذَا قَدَّمَ لَك إنْسَانٌ طَعَامًا ضِيَافَةً، أَوْ أَهْدَاهُ لَك، أَوْ أَرَدْت شِرَاءَهُ مِنْهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يُطْلَقْ الْوَرَعُ فَإِنَّك تَسْأَلُ عَنْ حِلِّهِ، وَلَا يُتْرَكُ السُّؤَالُ [بَلْ] قَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَحْرُمُ، وَقَدْ يَنْدُبُ، وَقَدْ يُكْرَهُ، وَضَابِطُهُ أَنَّ مَظِنَّةَ السُّؤَالِ هِيَ مَوْضِعُ الرِّيبَةِ، وَلَهَا حَالَانِ أحدهما: يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِكِ والثاني: بِالْمِلْكِ أَمَّا: الْأَوَّلُ فَالْمَالِكُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ"أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا، وَهُوَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى طِيبِ مَالِهِ وَلَا فَسَادِهِ، فَإِذَا دَخَلْت قَرْيَةً فَرَأَيْت رَجُلًا لَا تَعْرِفُ مِنْ حَالِهِ شَيْئًا، وَلَا عَلَيْهِ عَلَامَةُ فَسَادِ مَالِهِ وَشَبَهِهِ كَهَيْئَةِ الْأَجْنَادِ، وَلَا عَلَامَةُ طِيبَةٍ كَهَيْئَةِ الْمُتَعَبِّدِينَ وَالتُّجَّارِ، فَهُوَ مَجْهُولٌ، وَلَا يُقَالُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لِأَنَّ الشَّكَّ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ، قَالَ: وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا لَا يُدْرَى، وَبَيْنَ مَا يُشَكُّ فِيهِ، فَالْوَرَعُ تَرْكُ مَا لَا يُدْرَى وَيَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْ هَذَا الْمَجْهُولِ، وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ وَضِيَافَتِهِ، وَلَا يَجِبُ السُّؤَالُ بَلْ لَا يَجُوزُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لِأَنَّهُ إيذَاءٌ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَعَ فَلِيَتْرُكْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ أَكْلِهِ فَلِيَأْكُلْ وَلَا يَسْأَلْ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى تَرْكِ السُّؤَالِ أَهْوَنُ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ مُسْلِمٍ وَإِيذَائِهِ."
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَشْكُوكًا فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَقْوَاهُ كَلِبَاسِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَهَيْئَاتِهِمْ، أَوْ تَرَى مِنْهُ فِعْلًا مُحَرَّمًا تَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى تَسَاهُلِهِ فِي الْمَالِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، وَلَا يَحْرُمُ الْهُجُومُ، بَلْ السُّؤَالُ وَرَعٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ الْهُجُومُ، وَيَجِبُ السُّؤَالُ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنُفْتِي بِهِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْعَلَامَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مَالِهِ حَرَامٌ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ فِيهِ حَرَامًا يَسِيرًا كَانَ السُّؤَالُ وَرَعًا.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ بِمُمَارَسَةٍ وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ ظَنٌّ فِي حِلِّ مَالِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ، بِأَنْ يَعْرِفَ صَلَاحَ الرَّجُلِ وَدِيَانَتِهِ، فَهُنَا لَا يَجِبُ السُّؤَالُ وَلَا يَجُوزُ، أَوْ يَعْرِفَ أَنَّهُ مُرَابٍ أَوْ مُغَنٍّ وَنَحْوُهُ، فَيَجِبُ السُّؤَالُ الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ الشَّكُّ بِالْمَالِ، بِأَنْ يَخْتَلِطَ حَلَالٌ بِحَرَامٍ، كَمَا إذَا حَصَلَ فِي السُّوقِ أَحْمَالُ طَعَامٍ مَغْصُوبٍ، وَاشْتَرَاهَا أَهْلُ السُّوقِ فَلَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَلَى مَنْ يَشْتَرِي مِنْ تِلْكَ السُّوقِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ حَرَامٌ، فَيَجِبُ السُّؤَالُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ الْأَكْثَرُ حَرَامًا يَكُونُ