ج / 9 ص -300- وَبُغَامُهَا - بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِرَفْعِ الْمِيمِ - مَعْطُوفٌ عَلَى طَوْفُهَا"وَالْبُغَامُ الصَّوْتُ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِمُعَفَّرٍ مَكْسُورَةٌ، وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ، وَمَعْنَى الْبَيْتَيْنِ أَنَّهَا ضَيَّعَتْ وَلَدَهَا فَلَا تَزَالُ تَطُوفُ فِي نَاحِيَةِ الرِّمَالِ لِطَلَبِهِ، ظَانَّةً أَنَّهُ هُنَاكَ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الذِّئَابَ تَجَاذَبَتْ أَعْضَاءَهُ وَأَكَلَتْهُ."
وأما: لَبِيدٌ صَاحِبُ هَذَا فَهُوَ أَبُو عَقِيلٍ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكٍ الْعَامِرِيُّ الصَّحَابِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، كَانَ مِنْ فُحُولِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَكَانَ مِنْ الْمُعَمَّرِينَ عَاشَ مِائَةً وَأَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قوله: فِي الْمَاءِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْأَصْلِ احْتِرَازٌ مِمَّا يَتَأَثَّرُ مِنْ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَمَا يَلْقَى مِنْ الْأَطْعِمَةِ رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ جَرَى فِيهِ الرِّبَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ فِي الْأَصْلِ وقوله: غَيْرُ مُتَمَوِّلٍ فِي الْعَادَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّيْدِ وَالْبِزْرِ - بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ وَالْقِثَّاءُ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا - وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَفِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْأَجْنَاسِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلَانِ أصحهما: وَهُوَ الْجَدِيدُ أَنَّهَا الطَّعْمُ فَيُحَرَّمُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَطْعُومٍ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ غَيْرُهُمَا، وَلَا يُحَرَّمُ فِي غَيْرِ الْمَطْعُومِ، فَيَجْرِي الرِّبَا فِي السَّفَرْجَلِ وَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ وَالْبُقُولِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَطْعُومِ والثاني: وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا يُحَرَّمُ إلَّا فِي مَطْعُومٍ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَعَلَى هَذَا لَا رِبَا فِي السَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَالْجَوْزِ وَالْبُقُولِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا وَالتَّفْرِيعُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْجَدِيدِ، فَعَلَى هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الْمُرَادُ بِالْمَطْعُومِ مَا يُعَدُّ لِلطَّعْمِ غَالِبًا تَقَوُّتًا وَتَأَدُّمًا، أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا أَوْ غَيْرَهَا، فَيُحَرَّمُ الرِّبَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ مَا أُكِلَ غَالِبًا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحُبُوبُ وَالْإِدَامُ وَالْحَلَاوَاتُ وَالْفَوَاكِهُ وَالْبُقُولُ وَالتَّوَابِلُ وَالْأَدْوِيَةُ أَوْ نَادِرًا، كَالْبَلُّوطِ وَالطُّرْثُوثِ، وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ، وَسَوَاءٌ مَا أُكِلَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ.
وَفِي الزَّعْفَرَانِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ أَحَدُهُمَا لَا رِبَا فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِالْأَكْلِ. والثاني: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: يُحَرَّمُ فِيهِ الرِّبَا. لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِي الْمَصْطَكَى وَالزَّنْجَبِيلِ وَجْهَانِ: الصحيح: الْمَشْهُورُ، يُحَرَّمُ فِيهِمَا الرِّبَا. والثاني: لَا رِبَا فِيهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ صَاحِبُ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ لَا رِبَا فِي الْمَصْطَكَى، وَيَجْرِي تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْأَدْوِيَةِ، كَالْإِهْلِيلَجِ وَالْإِبْلِيلَجِ وَالسَّقَمُونْيَا وَغَيْرِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا وَجْهًا حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا أَنَّ مَا يَقْتُلُ كَثِيرُهُ، وَيُسْتَعْمَلُ قَلِيلُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ كَالسَّقَمُونْيَا لَا رِبَا فِيهِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وأما: الْمَاءُ إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَهَلْ يُحَرَّمُ فِيهِ الرِّبَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: يُحَرَّمُ هَكَذَا صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَا يُغْتَرُّ بِتَصْحِيحِ صَاحِبِ الِانْتِصَارِ الْإِبَاحَةَ، فَإِنَّهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ مَطْعُومًا لَمْ يَجُزْ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ قُلْنَا ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ فِي جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ فَصَارَ مُسْتَثْنًى.