فهرس الكتاب
ج / 10 ص -31- قُلْتُ: وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَعْدٌ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْهُمْ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَأَرْبَوْا الْفَضْلَ"وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَهَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ مِنْ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمِمَّنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ أَيْضًا غَيْرُ هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي أُسَيْدٍ وَعُبَادَةَ وَقَدْ رَوَيْتُ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِهَا لِعَدَمِ قَبُولِهَا لِلتَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الصَّرْفِ اخْتِلَافٌ: هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَسَائِرِ الْآفَاقِ فِي أَنَّ الدِّينَارَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَزْنًا وَلَا الدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، إلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ مَكَّةَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ إجَازَتِهِمْ التَّفَاضُلَ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ، أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رحمه الله، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَمْ يُتَابِعْ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِهِ حَدِيثَ أُسَامَةَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا طَائِفَةً مِنْ الْمَكِّيِّينَ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِالسَّنَةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي هِيَ الْحَجَّةُ عَلَى مِنْ خَالَفَهَا وَجَهِلَهَا وَلَيْسَ أَحَدٌ بِحُجَّةٍ عَلَيْهَا. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أُسَامَةَ قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِهِ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ مَا عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي بَيَانِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْإِجْمَاعِيَّةِ أَوَّلًا. اعْلَمْ أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ مُنْحَصِرَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ إجْمَاعَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خِلَافٍ اسْتِنَادًا إلَى أَنَّ نُدْرَةَ الْمُخَالِفِ لَا تَضُرُّ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ سَبْقَ الْخِلَافِ الْمُعْتَدِّ بِهِ وَيَدَّعِي رُجُوعَ الْمُخَالِفِ، وَصَيْرُورَةَ الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعِيَّةً قَبْلَ انْقِرَاضِ ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ انْعَقَدَ إجْمَاعٌ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمَاضِينَ الْمُخْتَلِفِينَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ1: فَقَدْ اقْتَضَى كَلَامُ بَعْضِهِمْ دَعْوَاهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ الْجَمَاعَةَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مَعَ نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ، فَالْجَمَاهِيرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هو الظاهر من قوله بعد هنيهة (القسم الثاني) وبعدها.