فهرس الكتاب
ج / 10 ص -35- رَكْبٌ"هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَهَكَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد1 وَالنَّسَائِيَّ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِيهِمَا بِلَفْظِ الرَّاكِبِ لَا بِلَفْظِ الْوَاحِدِ، وَعَنْ كَوْنِ ذَلِكَ شُذُوذًا بِأَنَّ الشَّاذَّ عِبَارَةٌ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَدْخُلُ أَصْلًا فَلَا يُسَمَّى شَاذًّا وَعَنْ الْإِنْكَارِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ لَا لِلْإِجْمَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ يُنَاسِبُ طَرِيقَةَ مَنْ جَعَلَ مَأْخَذَ الْإِجْمَاعِ حُكْمَ الْعَادَةِ بِاسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْجَمْعِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ تُسَوِّغَ الْجَمَاعَةُ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ لَا فَضَعِيفٌ، لِأَنَّ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ غَيْرُ الْمُخَالِفِ إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فَلَا أَثَرَ لِتَسْوِيغِهِمْ وَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَيْسَ إنْكَارُهُمْ عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ إنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ، نَعَمْ هَاهُنَا أَمْرٌ يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ وَهُوَ أَنَّ الْخِلَافَ الْمُعْتَدَّ بِهِ هُوَ الْخِلَافُ فِي مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا، أَوْ فِيهَا نَصٌّ غَيْرُ صَرِيحٍ، وَبِالْجُمْلَةِ مَا يَكُونُ الْخِلَافُ فِيهِ لَهُ وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ.
وأما هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَإِنَّ النُّصُوصَ الَّتِي فِيهَا صَرِيحَةٌ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ بِوَجْهٍ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، وَلَا لِلنَّسْخِ لِمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ كَالْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَعْنِي مَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَلَا تَسْتَبْعِدُونَ دَعْوَى التَّوَاتُرِ فِيهَا، فَمَنْ تَتَبَّعَ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ أَوْ كَادَ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا رَوَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ"فَثَبَتَ2"بِهَذِهِ [الْآثَارِ] الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا وَسَأَعْقِدُ فَصْلًا جَامِعًا أُشِيرُ فِيهِ إلَى أَطْرَافِ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ قَطْعِيَّةُ الْمَتْنِ قَطْعِيَّةُ الدَّلَالَةِ لَمْ يَكُنْ مَظَانُّ لِلِاجْتِهَادِ، بَلْ الْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ قَطْعًا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُخَالِفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا، وَالتَّوَاتُرُ قَدْ يَحْصُلُ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَلَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ آخَرَ، فَإِذَا خَالَفَ مُجْتَهِدٌ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي مُخَالَفَتِهِ إلَى حَيْثُ يَطَّلِعُ عَلَى النَّصِّ، وَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، وَلَا يُقَلِّدُ فِيهِ، وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ تَصِلْ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ مَعَ صَرَاحَةِ دَلَالَتِهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ خَالِيًا عَنْ وَجْهٍ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُقْتَضِيَةَ لِتَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُقْتَضِيَةَ لِجَوَازِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنْهُ، وَالتَّرْجِيحُ مَعَنَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ وقوله تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} [البقرة: من الآية278] يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذا الحديث ليس في"المجتبى"للنسائي إذا أطلق انصرف إلى"المجتبى"ولكني وجدته في"مسند أحمد"ثنا حسين بن محمد ثنا مسلم يعني ابن خالد عن عبد الرحمن بن حرملة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الحديث، ورواه أبو داود في"سننه"حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الخ وأخرجه مالك في"الموطأ".
2 قال الإمام الطحاوي في"شرح معاني الآثار": فثبت بهذه الآثار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه نهى عن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلا وكذلك سائر الأشياء المكيلات التي قد ذكرت في هذه الآثار التي رويناها فالعمل بها أولى من العمل بحديث أسامة الذي قد يجوز تأويله ا هـ المطيعي.