فهرس الكتاب

الصفحة 3422 من 4102

ج / 10 ص -115- قَبْلَ التَّقَابُضِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله: وَلِلْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فِي الْإِمْلَاءِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُهُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَلَفْظُهُ فِي الْإِمْلَاءِ أَصْرَحُ قَالَ فِيهِ: لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يُسَلَّمَانِ فِيمَا سِوَاهُمَا وَقَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْآجَالِ فِي الصَّرْفِ:"وَلَا أَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ يُسَلَّمَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُسَلَّمُ فِي الْآخَرِ"وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ رحمه الله:"وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي أَنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ يُسَلَّمَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُسَلَّمُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ"ا هـ.

وَالِاسْتِدْلَالُ بِجَوَازِ السَّلَمِ عَلَى جَوَازِ النَّسَاءِ - إذَا مَنَعْنَا التَّسَلُّمَ الْحَالَّ - وَاضِحٌ. وَأَمَّا إذَا جَوَّزْنَاهُ فَطَرِيقُ تَقْرِيرِهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّرْفِ عَلَى الذِّمَّةِ، فَكُلُّ سَلَمٍ هُوَ بَيْعُ نَسِيئَةٍ، وَأَمَّا إنَّ كُلَّ بَيْعِ نَسِيئَةٍ سَلَمٌ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهُ إذَا بَاعَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ هَلْ يَكُونُ سَلَمًا أَوْ بَيْعًا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا: يَكُونُ سَلَمًا فَصَارَ السَّلَمُ وَالْبَيْعُ نَسِيئَةً شَيْئًا وَاحِدًا فَيُقَالُ عَلَى هَذَا فِي هَذَا الْقِسْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ: يَجُوزُ نَقْدًا وَنَسِيئًا وَلَا يُذْكَرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَكُونُ بَيْعًا لَا سَلَمًا، فَإِنَّا نَقُولُ يَجُوزُ نَقْدًا وَنَسِيئًا، وَيَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ. ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَقَالَ أَيْضًا: وَمَعْنَى قَوْلِنَا نَقْدًا وَنَسِيئًا أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ إلَى أَجَلِ كَذَا، وَلَا يُرِيدُ بِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا، وَيَشْتَرِطُ تَسْلِيمَهُ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ.

قلت: وَلَا يَنْحَصِرُ الْفَسَادُ فِيمَا قَالَهُ، بَلْ تَارَةً يَكُونُ النَّسَاءُ فِي الْمَبِيعِ وَصُورَتُهُ مَا ذَكَرَ، كَمَا إذَا قَالَ: بِعْتُكَ إرْدَبَّ قَمْحٍ فِي ذِمَّتِي إلَى شَهْرٍ بِهَذَا الدِّينَارِ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي الثَّمَنِ كَمَا إذَا قَالَ بِعْتُكَ هَذَا الْإِرْدَبَّ الْقَمْحَ بِدِينَارٍ فِي ذِمَّتِكَ إلَى شَهْرٍ، وَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يُشْتَرَطُ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ إذَا جَعَلْنَاهُ سَلَمًا. وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَحْضٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله: يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ أَنْ تَكُونَ الْحِنْطَةُ مَبِيعَةً فِي الذِّمَّةِ نَسَاءً بِالذَّهَبِ، فَيَكُونُ سَلَمًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَوْ بَيْعًا فِي مَعْنَى السَّلَمِ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاعِ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بَيْعَ الْحِنْطَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِذَهَبٍ فِي الذِّمَّةِ نَسَاءً، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نَسَاءً فَيَكُونُ حُكْمُهُ مَأْخُوذًا مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى السَّلَمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ فَالْإِجْمَاعُ الْمَذْكُورُ دَلِيلُ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِلْحَاقُ جَلِيًّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، ثُمَّ إذَا جَازَ الْبَيْعُ نَسِيئَةً تَبِعَهُ جَوَازُ التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، لِأَنَّ كُلَّ عِوَضَيْنِ حَرُمَ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ التَّقَابُضِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا، وَمَا لَا فَلَا، وَلَا يُنْتَقَضُ بِبَيْعِ الْجَوْهَرَةِ بِالْجَوْهَرَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي ذَلِكَ لَا يَرْجِعُ إلَى النَّسَاءِ، بَلْ لِكَوْنِهِ لَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ فَيَكُونُ الْمُسْلَمُ مَجْهُولًا، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ذَكَرَ خِلَافًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي جَوَازَ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالذَّهَبِ وَالشَّعِيرِ بِالْفِضَّةِ نَسَاءً وَلَا أَشْعَرَ بِهِ، إلَّا أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمِ الظَّاهِرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى مَرَاتِبَ الْإِجْمَاعِ:"وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِابْتِيَاعَ بِدِينَارَيْنِ أَوْ دَرَاهِمَ حَالَّةٍ فِي الذِّمَّةِ غَيْرِ مَقْبُوضَةٍ وَبِهَا إلَى أَجَلٍ مَحْدُودٍ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت