ج / 10 ص -201- ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ رحمه الله ذَلِكَ فِي الْوَسِيطِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَبَيْعُ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ بِالْهَرَوِيِّ عَيْنُ الرِّبَا. قَالَ: وَبَيْعُ الذَّهَبِ الْهَرَوِيِّ بِالْوَرِقِ بَاطِلٌ، فَإِنَّ النَّقْرَةَ فِي الْهَرَوِيِّ مَقْصُودَةٌقلت: وَالْهَرَوِيُّ نَقْدٌ فِيهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَالنَّيْسَابُورِيّ ذَهَبٌ خَالِصٌ.
فرع: بَيْعُ الذَّهَبُ الْهَرَوِيِّ بِالذَّهَبِ الْهَرَوِيِّ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ. قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ. وَهَذَا بَيْعُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ لَا يَجُوزُ. قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْهَرَوِيِّ بِالْهَرَوِيِّ: إنَّ قِيَاسَ الْوَجْهِ الذَّاهِبِ إلَى جَوَازِ بَيْعِ مُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ مِنْ سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ وَنَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَجُوزُ بَيْعُ الْهَرَوِيِّ بِمِثْلِهِ، إذَا كَانَ مِقْدَارُ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ فِيهِ مَعْلُومًا وَالنَّوْعُ وَاحِدًا وَالسِّكَّةُ وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الدِّرْهَمُ وَالْمُدُّ بِالدِّرْهَمِ وَالْمُدِّ مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَاهَدَةِ وَالْمُقَابَلَةِ فِي الْهَرَوِيِّ بِمِثْلِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَإِنَّ النَّارَ عِنْدَ الضَّرْبِ قَدْ تُذْهِبُ مِنْ أَحَدِ الْجَوْهَرَيْنِ أَكْثَرَ مِمَّا تُذْهِبُهُ مِنْ الْآخَرِ، فَلَا يَأْتِي الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
قلت: وَجَزْمُ الْأَصْحَابِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْفِضَّةِ الْمَضْرُوبَةِ بِمِثْلِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَأْثِيرِ النَّارِ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَأْتِيَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّرَ هَلْ النَّارُ تَأْخُذُ مِنْ جَوْهَرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شَيْئًا عِنْدَ الضَّرْبِ أَمْ تُخَلِّصَهُمَا فَقَطْ؟ فَإِنْ كَانَتْ تَأْخُذُ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فَلَا، وَمَسْأَلَةُ الْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ شَمْعٌ بِالْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ شَمْعٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ شَهْدٌ بِشَهْدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ سُؤَالًا وَجَوَابًا. فَقَالُوا إنْ قِيلَ أَلَيْسَ يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَفِيهِمَا النَّوَى؟ وَهَكَذَا اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ الطَّرِيِّ إنْ جَوَّزْنَا؟ وَالْقَدِيدُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَفِيهِمَا الْعَظْمُ؟
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ بَقَاءَ النَّوَى فِي التَّمْرِ مِنْ صَلَاحِ التَّمْرِ، لِأَنَّهُ إذَا نُزِعَ مِنْهُ النَّوَى لَا يَدُومُ بَقَاؤُهُ كَمَا وَفِيهِ النَّوَى، وَهَذَا الْفَرْقُ جَوَابٌ عَنْ النَّوَى وَالْعَظْمِ مَعًا، وَالْأَوَّلُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي النَّوَى. وَأَمَّا الْعَظْمُ فَزَعَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ اللَّحْمِ، وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، فَالْجَوَابُ الثَّانِي كَافٍ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي مَكَان آخَرَ: إنَّ بَقَاءَ الْعَظْمِ فِي اللَّحْمِ مَفْسَدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الشَّمْعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَسَلِ والثاني: أَنَّ النَّوَى وَالْعِظَامَ غَيْرُ مَقْصُودَيْنِ وَلَا قِيمَةَ لَهُمَا فِي الْغَالِبِ، وَلِهَذَا يُرْمَى بِهِمَا، فَلَمْ يُجْعَلْ كَأَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا وَشَيْئًا آخَرَ بِتَمْرٍ، وَالشَّمْعُ لَهُ قِيمَةٌ فَإِذَا بِيعَ مَعَ الْعَسَلِ كَانَ رِبًا أَوْ لَحْمًا وَشَيْئًا آخَرَ بِلَحْمٍ، وَبِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَرَّقْنَا بَيْنَ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرَيْهِمَا، وَبَيْنَ الْعَسَلِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَيْضًا فَرْقًا بَيْنَ الشَّهْدِ وَاللَّبَنِ حَيْثُ جَوَّزُوا بَيْعَ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى السَّمْنِ وَالْمَخِيضِ، بِأَنَّ الشَّمْعَ غَيْرُ مُخَامِرٍ لِلْعَسَلِ فِي أَصْلِهِ، فَإِنَّ النَّحْلَ يَنْسِجُ الْبُيُوتَ مِنْ الشَّمْعِ الْمَحْضِ، ثُمَّ يُلْقِي فِي خَلَلِهِ الْعَسَلَ الْمَحْضَ، فَالْعَسَلُ مُتَمَيِّزٌ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ يَنْشَارُ الْعَسَلُ بِخَلْطِهِ بِالشَّمْعِ بَعْضَ الْخَلْطِ بِالتَّعَاطِي وَالضَّغْطِ، وَلَيْسَ اللَّبَنُ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: بَيْعُ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ الْمُصَفَّى وَغَيْرِ الْمُصَفَّى جَائِزٌ، لِأَنَّ الشَّمْعَ لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا. قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.