فهرس الكتاب

الصفحة 3597 من 4102

ج / 10 ص -288- مِنْهُمَا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ بَعْضَهُ، فَإِنَّهُ إذَا قُلِيَ يَكُونُ أَصْغَرَ جُرْمًا مِمَّا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالْعِلَّةُ الْأُولَى ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّقِيقِ، وَإِنْ لَمْ نُلَاحِظْ دُخُولَ النَّارِ فِيهِ فَهُمَا دَلِيلَانِ جَيِّدَانِ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ أَنْ يَأْتِيَ هَاهُنَا، فَإِنَّ اخْتِلَافَ الِاسْمِ مَوْجُودٌ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ صَرِيحًا، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لَا بَأْسَ بِهِ مُتَفَاضِلًا، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ فِي مَنْقُولِ الْكَرَابِيسِيِّ إنْ ثَبَتَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، فَلَا تَتَأَتَّى هُنَا الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ دُخُولُ النَّارِ، وَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ فِي تَفْسِيرِ السَّوِيقِ مُخَالِفٌ لِلْمَعْرُوفِ فِي بِلَادِنَا الْيَوْمَ.

وَمِمَّا نَصَّ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، كَمَا ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِسَوِيقِ الْحِنْطَةِ، عَنْ نَصِّهِ فِي الصَّرْفِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّ ابْنَ مِقْلَاصٍ حَكَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَ السَّوِيقَ مُخَالِفًا لِجِنْسِ الْحِنْطَةِ، فَإِنَّهُ يُخَالِفُهَا فِي الْمَعْنَى وَالدَّقِيقُ مُجَانِسُ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ حِنْطَةٌ مُفَرَّقَةُ الْأَجْزَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ السَّوِيقَ فِي بِلَادِنَا اسْمٌ1 وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ لَمَّا حَكَى مَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا نَعْرِفُهُ فِي بِلَادِنَا، وَجَوَّزَ مَالِكٌ بَيْعَ السَّوِيقِ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا فَفَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّوِيقِ وَالدَّقِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي يُوسُفَ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَهُ أَنَّ السَّوِيقَ صَارَ بِالصَّنْعَةِ جِنْسًا آخَرَ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ جِنْسٍ بِجِنْسٍ آخَرَ، وَنَقَضَ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ بِالْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ، وَتَمَسَّكُوا بِاعْتِبَارِ حَالَةِ الِادِّخَارِ.

فرع: بَيْعُ السَّوِيقِ بِالدَّقِيقِ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ قُوتٌ زَالَ عَنْ هَيْئَةِ الِادِّخَارِ بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَخْشَنَ مِنْ الْآخَرِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه رِوَايَتَانِ أَشْهُرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّهُ يَجُوزُ كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَعَنْ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ رحمهما الله أَنَّهُ يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ دَقِيقًا فَأَكَلَ سَوِيقًا لَمْ يَحْنَثْ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَيْضًا، وَمَا ذَكَرَهُ مُنْتَقَضٌ بِأَنْوَاعِ التَّمْرِ كَالْمَعْقِلِيِّ وَالْبَرْنِيِّ

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِخُبْزِهِ، لِأَنَّهُ دَخَلَهُ النَّارُ وَخَالَطَهُ الْمِلْحُ وَالْمَاءُ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّمَاثُلَ، وَلِأَنَّ الْخُبْزَ مَوْزُونٌ وَالْحِنْطَةُ مَكِيلٌ فَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا".

الشرح: نَصَّ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخُبْزِ بِالْحِنْطَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ نَصِّهِ فِي الصَّرْفِ وَجَزَمَ بِهِ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِلْعِلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ مُتَّحِدَتَانِ لِأَنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 بياض بالأصل فحرر (ش) ولعل السقط"لما يصنع من الحنطة والشعير"قاله الفيومي في"المصباح"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت