فهرس الكتاب
ج / 10 ص -310- إحْدَاهُمَا ثَمَرَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأُخْرَى جَازَ، وَكَذَلِكَ الشَّاةُ الَّتِي فِيهَا لَبَنٌ بِالشَّاةِ الَّتِي لَا لَبَنَ فِيهَا، صَرَّحَ بِهِمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمَاوَرْدِيُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مَذْبُوحَةً فَذَلِكَ يَمْتَنِعُ لِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ بَيْعُ حَيَوَانٍ بِلَحْمٍ.
فَائِدَةٌ: عَرَفْتُ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ بْنَ سَلَمَةَ قَائِلٌ بِالْجَوَازِ فِي بَيْعِ الشَّاةِ بِالشَّاةِ وَالدَّارِ بِالدَّارِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ فَقَالَ فِي بَيْعِ الشَّاةِ اللَّبُونِ بِالشَّاةِ اللَّبُونِ وَفِي ضَرْعِهِمَا لَبَنٌ، حَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الدَّارَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِيهَا، وَلَمْ يَنْسُبْ فِيهَا إلَى أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ شَيْئًا، وَفِي الْوَسِيطِ ذَكَرَ لَفْظًا مُشْكِلًا فَقَالَ بَعْدَ أَنْ جَزَمَ بِالْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ اللَّبُونِ وَحَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارَيْنِ، وَسَوَّى بِالْمَنْعِ فِيهِمَا، وَاسْتَشْكَلَهُ الْفُضَلَاءُ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِهِ فِي الْوَسِيطِ، وَغَايَةُ مَا ظَهَرَ لِي فِي تَأْوِيلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَنْعِ مَنْعَ الْحُكْمِ الْمُدَّعَى وَهُوَ الْبُطْلَانُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاةِ اللَّبُونِ؛ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارَيْنِ، فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ الْبُطْلَانِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْ نَاسِخٍ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْوَسِيطِ: إنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ.
فرع: بَيْعُ الشَّاةِ الَّتِي فِيهَا لَبَنٌ بِبَقَرَةٍ فِيهَا لَبَنٌ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ مَأْخَذُهُمَا أَنَّ الْأَلْبَانَ جِنْسٌ أَوْ أَجْنَاسٌ، وَبِالصِّحَّةِ جَزَمَ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْكِفَايَةِ كَمَا تُبَاعُ النَّخْلَةُ بِالْكَرْمِ. وَهَا هُنَا بِلَبَنِ الْآدَمِيِّ إنْ قُلْنَا: الْأَلْبَانُ أَجْنَاسٌ وإن قلنا: جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيَبْنِيهِ عَلَى أَنَّ لَبَنَ الْآدَمِيِّ مَعَهَا جِنْسٌ أَوْ جِنْسَانِ وَفِيهِ وَجْهَانِ تَقَدَّمَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ الْحَلِيبِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ مَنَافِعِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ الْحَلِيبِ بِالرَّائِبِ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ حُمُوضَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ خَالِصٌ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ فَهُوَ كَتَمْرٍ طَيِّبٍ بِتَمْرٍ غَيْرِ طَيِّبٍ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الرَّائِبِ بِالرَّائِبِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ مُتَغَيِّرٍ بِتَمْرٍ مُتَغَيِّرٍ".
الشرح: الْحَلِيبُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي كِتَابِ السَّلَمِ مِنْ الْأُمِّ: هُوَ مَا يُجْلَبُ مِنْ سَاغِيَةٍ وَكَانَ مُنْتَهَى خَاصِّيَّةِ الْحَلِيبِ أَنْ تَقِلَّ حَلَاوَتُهُ. وَذَلِكَ حِينَ يَنْتَقِلُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ اسْمِ الْحَلِيبِ. وَالرَّائِبُ فَسَّرَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ قَلِيلُ حُمُوضَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله: قَالَ الْإِمَامُ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ: وَالرَّائِبُ الَّذِي خَثَرَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ نَارٍ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَيْ وَلَا أُلْقِيَتْ فِيهِ إِنْفَحَةٌ وَنَحْوُهَا.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ. وَمَقْصُودُهُ فِي جَمِيعِهَا جَوَازُ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مُتَمَاثِلًا أَوْ مُتَفَاضِلًا فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ كَوْنِ الْأَلْبَانِ جِنْسًا وَاحِدًا أَوْ أَجْنَاسًا، وَوُجُوبُ التَّمَاثُلِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا جَوَازُ الْبَيْعِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الرُّطَبِ الَّذِي يُمْتَنَعُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِي إلَى جَفَافٍ؛ وَلِأَنَّ مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهِ حَالَ كَوْنِهِ لَبَنًا. وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ وَأَفْرَدَ لَهُ بَابًا وَذَكَرَ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَعْنَى مَا يَكُونُ رُطَبًا بِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عَنْهُ