فهرس الكتاب

الصفحة 3636 من 4102

ج / 10 ص -327- مَا رَوَى، أَوْ مُوَافَقَةُ مُرْسَلِ غَيْرِهِ، وَهِيَ أَضْعَفُ مِنْ الْأُولَى أَوْ مُوَافَقَةُ قَوْلِ صَحَابِيٍّ أَوْ أَقْوَامٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُفْتُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رَوَى، فَإِذَا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ لِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وَصَفْتُ أَحْبَبْتُ أَنْ يُقْبَلَ مُرْسَلُهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الْحُجَّةَ تَثْبُتُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ، فَأَمَّا مَنْ يُعَدُّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَثُرَتْ مُشَاهَدَتُهُمْ لِبَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمْ يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: أَحْبَبْتُ أَنْ يُقْبَلَ، فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ، بَلْ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ مُوجِبُهَا فَيَجِبُ، أَوْ لَا فَيَحْرُمُ، فَإِنْ كَانَ الْمُرْسَلُ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةً، وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً حَرُمَ الْعَمَلُ بِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْحُجَّةُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ، أَيْ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْمُتَّصِلِ وَإِنْ كَانَتْ الْحُجَّةُ بِهِ ثَابِتَةً، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا عَارَضَهُ مُتَّصِلٌ، فَيُقَدَّمُ الْمُتَّصِلُ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لِمُجَرَّدِ اقْتِرَانِهِ بِمُرْسَلٍ آخَرَ، أَوْ قَوْلِ صَحَابِيٍّ، أَوْ فُتْيَا أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا يَرِدُ مَعَهَا، وَيُطْلَبُ دَلِيلٌ آخَرُ مُجَرَّدٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرِدْ أَصْلًا، بَلْ يَجِبُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يُعَارِضُهُ أَوْ يُوَافِقُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَدِلَّةِ كَالْقِيَاسِ وَشِبْهِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يَتَرَجَّحُ مِنْ الظَّنِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَخَذَ بِمَرَاسِيلِ سَعِيدٍ فِي الْقَدِيمِ، وَجَعَلَهَا بِانْفِرَادِهَا حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ حَدِيثًا إلَّا وُجِدَ مُسْنَدًا، وَلَا يَرْوِي أَخْبَارَ الْآحَادِ وَلَا يُحَدِّثُ إلَّا بِمَا سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ أَوْ رَوَاهُ مُنْتَشِرًا عِنْدَ الْكَافَّةِ، أَوْ وَافَقَهُ فِعْلُ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَكَوْنُهُ إنَّمَا أُخِذَ عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَمَرَاسِيلُهُ سُبِرَتْ فَكَانَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.

قلت: وَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ رحمه الله: مِنْ كَوْنِ سَعِيدٍ لَا يَرْوِي أَخْبَارَ الْآحَادِ، وَوُجِدَتْ مَرَاسِيلُهُ كُلُّهَا مَسَانِيدَ، فَلَا يُحَدِّثُ إلَّا بِمَا سَمِعَهُ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ مُعْتَضِدًا أَوْ مُنْتَشِرًا أَوْ مُوَافِقًا فِعْلَ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَكَوْنُ مَرَاسِيلِهِ كُلِّهَا عُرِفَ أَنَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هِيَ أُمُورٌ ضَعِيفَةٌ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْهَا فَلَا يُعْرَفُ، بَلْ قَدْ رَوَى سَعِيدٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِيهِ الْمُسَيِّبِ؛ فَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْخَطِيبُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى الْجَدِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْمُرَجِّحَاتِ لِلْمُرْسَلِ الَّتِي إذَا اُعْتُضِدَ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهَا صَارَ هُوَ مَعَ الَّذِي اُعْتُضِدَ بِهِ حُجَّةً عَلَى الْجَدِيدِ، أَحَدُ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: قِيَاسٌ، أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، أَوْ فِعْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ قَوْلٌ لِلْأَكْثَرِينَ، أَوْ يُنْشَرُ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَافِعٍ لَهُ، أَوْ يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْعَصْرِ، أَوْ لَا تُوجَدُ دَلَالَةٌ سِوَاهُ.

قلت: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْمَنْقُولِ مِنْ الرِّسَالَةِ أَرْبَعَةُ مُرَجِّحَاتٍ منها: مُوَافَقَةُ قَوْلِ صَحَابِيٍّ أَوْ أَقْوَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُمَا فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ ومنها: اعْتِضَادُهُ بِمُسْنَدٍ أَوْ مُرْسَلٍ آخَرَ، وَلَيْسَا فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ، فَإِذَا جَمَعْتُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ كَانَتْ الْمُرَجِّحَاتُ تِسْعَةً. ثُمَّ فِي بَعْضِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا مُشَاحَّةٌ منها: قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّهُ لَا يُوجَدُ دَلِيلٌ سِوَاهُ، كَأَنَّ الْمُرْسَلَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ دَلِيلًا - وَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ سِوَاهُ - كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ لَا دَلِيلَ فِيهَا أَصْلًا، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِشَيْءٍ لَا يَعْتَقِدُهُ دَلِيلًا،؛ لِأَنَّا لَمْ نَجْدِ غَيْرَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت