ج / 1 ص -238- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْسِلَ فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَفَوْقَ الْكَعْبَيْنِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"تَأْتِي أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"."
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ نُعَيْمٍ قَالَ:"رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ". وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَنْتُمْ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ"، هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ:"كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَ يُمِرُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إبْطَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا هَذَا الْوُضُوءُ ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ هُنَا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فِي إتْلَافِ الصُّوَرِ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِبُلُوغِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بِالْمَاءِ إبْطَيْهِ وَعَنْ نُعَيْمٍ"أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغَ الْمَنْكِبَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْغُرَّةُ بَيَاضٌ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وَالتَّحْجِيلُ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ يَأْتُونَ بِيضَ الْوُجُوهِ وَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمسألة:فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ إنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ أَطْلَقُوا اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحُدُّوا غَايَةَ الِاسْتِحْبَابِ بِحَدٍّ كَمَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: يُسْتَحَبُّ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَالْعَضُدِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ: يَبْلُغُ بِهِ الْإِبِطَ وَالرُّكْبَةَ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: نِصْفَ الْعَضُدِ فَمَا فَوْقَهُ وَنِصْفَ السَّاقِ فَمَا فَوْقَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي الْمُرَادِ بِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رحمه الله - أَنَّهَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَكَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رحمه الله فِي كِتَابِهِ الْأَسَالِيبِ فِي الْخِلَافِ فِي مسألة:تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ، ثُمَّ فِي مسألة:مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ، وَصَاحِبُ الْعُدَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ - رحمه الله: إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ فَوْقَ الْمِرْفَقِ اُسْتُحِبَّ إمْسَاسُ الْمَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ عَضُدِهِ، فَإِنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مُسْتَحَبُّ، وَهَذَا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى الْغَزَالِيِّ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْغُرَّةَ تَكُونُ فِي الْيَدِ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي أَنَّ الْغُرَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْوَجْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ: إسْبَاغُ الْوُضُوءِ سُنَّةٌ وَإِطَالَةٌ لِلْغُرَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْوَجْهِ بِالْغَسْلَةِ حَتَّى يَغْسِلَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ، وَيَغْسِلَ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ سُنَّةٌ، وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ مَعَ الْوَجْهِ، وَتَطْوِيلُ التَّحْجِيلِ سُنَّةٌ، وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضَ الْعَضُدِ مَعَ الْمِرْفَقِ وَبَعْضَ السَّاقِ مَعَ الْقَدَمِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ - رحمه الله: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَقَالُوا: تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ غَسْلُ مُقَدَّمَاتِ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ وَكَذَا صَفْحَةُ الْعُنُقِ، وَتَطْوِيلُ التَّحْجِيلِ غَسْلُ بَعْضَ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ وَغَايَتُهُ اسْتِيعَابُ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ، قَالَ: وَفَسَّرَ كَثِيرُونَ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ بِغَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الْعَضُدِ