فهرس الكتاب
ج / 11 ص -239- فرع: وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: ابْتَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَارِيَةً فَقِيلَ لَهُ: إنَّ لَهَا زَوْجًا، فَأَرْسَلَ إلَى زَوْجِهَا فَقَالَ لَهُ: طَلِّقْهَا فَأَبَى فَجَعَلَ لَهُ مِائَتَيْنِ فَأَبَى، فَجَعَلَ لَهُ خَمْسَمِائَةٍ فَأَبَى، فَأَرْسَلَ إلَى مَوْلَاهَا أَنَّهُ قَدْ أَبَى أَنْ يُطَلِّقَ فَاقْبَلُوا جَارِيَتَكُمْ، تَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذَا الْأَثَرِ، وَالْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا يَرَى الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِمِثْلِ هَذَا التَّأْخِيرِ، وَلَيْسَ فِي الْأَثَرِ أَنَّهُ رَدَّ جَبْرًا، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالِكَهَا رَضِيَ بِرَدِّهَا، وَإِنْ سَقَطَ بِالتَّأْخِيرِ فَيَكُونُ إقَالَةً، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ.
فرع: مَحَلُّ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الْفَوْرِ فِي شِرَاءِ الْأَعْيَانِ، أَمَّا الْمَوْصُوفُ الْمَقْبُوضُ إذَا وُجِدَ مَعِيبًا فإن قلنا: إنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالرِّضَا فَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّدَّ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وإن قلنا: يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْفَوْرِ وَالْأَوْجَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ دَابَّةً فَسَاقَهَا لِيَرُدَّهَا فَرَكِبَهَا فِي الطَّرِيقِ، أَوْ عَلَفَهَا أَوْ سَقَاهَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الرَّدِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْعَيْبِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ الرُّكُوبِ وَالْعَلْفِ وَالسَّقْيِ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهُ إلَى أَنْ يَرُدَّ فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ".
الشرح: الِانْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ إنْ لَزِمَ مِنْهُ تَأْخِيرٌ أَوْ دَفَعَ فِي زَمَنٍ لَوْ سَكَتَ فِيهِ أَبْطَلَ خِيَارَهُ فَلَا شَكَّ فِي بُطْلَانِ الرَّدِّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي اشْتِرَاطِ الْمُبَادَرَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُبَادَرَةِ فِي مُدَّةِ طَلَبِ الْخَصْمِ وَالْقَاضِي، وَحِينَئِذٍ أَقُولُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله فِي الرُّكُوبِ وَالْعَلْفِ وَالسَّقْيِ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ فَرَّعَهُ فِي جُمْلَةِ مَسَائِلَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَذَكَرَهُ هَكَذَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله حُكْمًا وَتَعْلِيلًا، وَقَالَ: إنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: حُدُوثُ نَقْصٍ بِالْمَبِيعِ، أَوْ تَرْكُ الرَّدِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَعْلِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ، وَذَلِكَ مِمَّا قَدْ يُرَجِّحُ أَنَّ الْمُهَذَّبَ مِنْ تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ.
وَمِمَّنْ وَافَقَ الْمُصَنِّفَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ، وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: كَذَلِكَ إذَا حَلَبَهَا فِي طَرِيقِهِ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ فِي حَالِ الرَّدِّ جَازَ كَمَنَافِعِهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ فِي حَالِ الرَّدِّ بِالنَّقْلِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَمِمَّنْ وَافَقَ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ مِنْ الْأَصْحَابِ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَنَقَلَ عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى قِيَاسِ هَذَا: لَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا وَهُوَ حَامِلٌ لَهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ حَقُّ الرَّدِّ، وَمُرَادُهُ بِأَنَّهُ حَامِلٌ لَهَا حَتَّى لَا يَحْصُلَ بِالْوَطْءِ تَأْخِيرٌ، فَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ الْمَسِيرُ فِيهِ كَاللَّيْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُضْطَرُّ وَذَلِكَ فِيهِ وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ الْحِكَايَةَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْءُ الثَّيِّبِ. وَصَرَّحَ الْجُرْجَانِيُّ مَعَ مُوَافَقَتِهِ الْمُصَنِّفَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ، وَلَا لُبْسُ الثَّوْبِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا.