فهرس الكتاب
ج / 11 ص -246- الثالث: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْمِلْكُ قَدْ اسْتَقَرَّ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي فِي كَلَامِهِ مُشْتَرِي الثَّوْبِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ مِلْكَ الثَّوْبِ قَدْ اسْتَقِرَّ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِوَطْءِ الْجَارِيَةِ الَّتِي هِيَ ثَمَنٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، لَكِنَّهُ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَلَسِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْجَارِيَةِ، وَهَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ هُنَا: لِأَنَّ الْبَائِعَ اسْتَقَرَّ عَلَى الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ الرَّاجِعَ فِي الْفَلَسِ هُوَ الْبَائِعُ وَالرَّاجِعَ فِي الْعَيْبِ هُوَ الْمُشْتَرِي، وَلَا شَكَّ أَنَّ تَمَلُّكَ كُلٍّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُسْتَقِرٌّ وَكُلٌّ مِنْ الْمَأْخَذَيْنِ صَحِيحٌ وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مُشْتَرِيَ الثَّوْبِ إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِهِ فَحَقُّهُ فِي رَدِّهِ وَفَسْخِ الْبَيْعِ فِيهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ انْفِسَاخُهُ فِي مُقَابِلِهِ، فَاَلَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ هُوَ الثَّوْبُ لَا الْجَارِيَةُ، وَكَانَ التَّعْلِيلُ بِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهِ أَوْلَى، وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ افْتِرَاقُ هَذِهِ مَعَ الْمَبِيعِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، وَفِي هَذَا الْمَأْخَذِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ هُنَاكَ وَارِدٌ عَلَى الْجَارِيَةِ الْمَوْطُوءَةِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَهَهُنَا بِوَاسِطَةِ رَدِّ الثَّوْبِ.
الرابع: أَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وإن قلنا: يَحْصُلُ بِهِ الْفَسْخُ.
الخامس: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ فِي هَذَا: إنَّا قَصَدْنَا بِالْوَطْءِ الْفَسْخَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْفَسْخَ لَمْ يَكُنْ فَسْخًا، قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَجِبُ الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ وَطْءُ الْوَالِدِ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ، وَإِنْ وَطِئَهَا بِقَصْدِ الِاسْتِرْجَاعِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ؛ كَانَ الْوَطْءُ مُحَرَّمًا وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ.
السَّادِسُ: فِي جُمْلَةٍ مِنْ نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا يُجْعَلُ الْفِعْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ، وَمِنْهَا التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ هَلْ يُجْعَلُ كَقَوْلِهِ جَعَلْتُهُ هَدْيًا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَمِنْهَا لَوْ لَبَّدَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَعَقَصَهُ، وَهَذَا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْعَازِمُ عَلَى الْحَلْقِ، فَهَلْ يَتَنَزَّلُ الْحَلْقُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ (الْجَدِيدُ) لَا، وَأَمَّا الْمُعَاطَاةُ وَنَحْوُهَا فَذَلِكَ لِقَرِينَةٍ، لَا لِلْفِعْلِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَإِنْ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ الرَّدِّ فَفِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، ثُمَّ أُعْتِقَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ الْأَمَةُ الْفَسْخَ أحدهما: يَسْقُطُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ. وَقَدْ زَالَ الضَّرَرُ والثاني: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ بِوُجُودِ الْعَيْبِ. فَلَا يَسْقُطُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ".
الشرح: الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَالرَّافِعِيُّ حَكَاهُمَا أَيْضًا فِي بَابِ التَّصْرِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ اسْتِمْرَارِ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ عَلَى كَثْرَتِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ جَزَمَ بِسُقُوطِ الْخِيَارِ تَبَعًا لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ، وَقَالَ: إنَّهُ مَهْمَا زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ الْعِلْمِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّدِّ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرَّدِّ، وَهُمَا طَرِيقَانِ فِي الْمَذْهَبِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
إحداهما: حِكَايَةُ الْوَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ والثانية: الْقَطْعُ بِسُقُوطِ الْخِيَارِ قَالَ: وَهَذَا [هُوَ] الْمَذْهَبُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خِيَارِ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَنَّ خِيَارَ الْعِتْقِ لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ عَلَى قَوْلٍ،