فهرس الكتاب
ج / 11 ص -251- الْمَالِ لِأَنَّهُ أُخِذَ عَلَى جِهَةِ الْمُعَاوَضَةِ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ ذَهَبًا فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، قَالَهُ الْجُورِيُّ.
فَائِدَةٌ: الْأَرْشُ فِي اللُّغَةِ أَصْلُهُ الْهَرْشُ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً، وَأَرْشُ الْجِرَاحَةِ دِيَتُهَا، وَذَلِكَ لِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْمُنَازَعَةِ، وَأَرَشْت الْجُرْبَ وَالنَّارَ إذَا أَرَثْتَهُمَا، وَالنَّارُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ الْإِفْسَادُ بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّيْءِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْجَبْرُ عَنْ الْفَائِتِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: هُوَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ نِسْبَةُ مَا يَنْقُصُ الْعَيْبُ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ لَوْ كَانَ سَلِيمًا إلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ.
فرع: لَنَا صُورَةٌ يَرْضَى الْمُشْتَرِي فِيهَا بِالْعَيْبِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ مَانِعٌ مِنْ الرَّدِّ إذَا اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ مُطَالَبَةُ الْوَرَثَةِ عَنْ الْبَائِعِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْأَرْشِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ بَعْضَهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ عَلَى الْبَائِعِ ضَرَرًا فِي تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْرِدَهُ بِالرَّدِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَبْعِيضُ صَفْقَةٍ عَلَى الْبَائِعِ فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّ الْعَيْبَ اخْتَصَّ بِأَحَدِهِمَا، فَجَازَ أَنْ يُفْرِدَهُ بِالرَّدِّ، وَإِنْ ابْتَاعَ اثْنَانِ عَبْدًا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُمْسِكَ حِصَّتَهُ وَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَرُدَّ حِصَّتَهُ جَازَ لِأَنَّ الْبَائِعَ فَرَّقَ الْمِلْكَ فِي الْإِيجَابِ لَهُمَا فَجَازَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْهُمَا فِي صَفْقَتَيْنِ".
الشرح: هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بَعْضَهَا بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ لِمَعْنَيَيْنِ أحدهما: تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ والثاني: أَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ، فَإِذَا رَدَّ النِّصْفَ كَانَ مَعِيبًا وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الْعَيْنِ إذَا حَدَثَ فِيهَا عَيْبٌ، وَالْمَنْعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَرَأَيْتُ لِصَاحِبِ التَّقْرِيبِ طَرْدَ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ وَهُوَ خَطَأٌ غَيْرُ بَعِيدٍ وَهَذَا الْخِلَافُ نَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا إذَا بَاعَ النِّصْفَ، وَمَعَ ذَلِكَ غَلَّطَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ بَعْضَ الْعَيْنِ لِغَيْرِ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ جَوَّزْنَا تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ فَلَهُ رَدُّ مَا بَقِيَ وَاسْتِرْجَاعُ حِصَّتِهِ، وَالتَّوَقُّفُ حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ حَالُهُ. وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ نَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ صَاحِبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَغَلَّطَهُ، وَلَمْ يُطْرِدْ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا فِي حَالِ بَقَاءِ الْجَمِيعِ فِي مِلْكه، بَلْ جَزَمَ بِالْمَنْعِ.
فإن قلنا: بِجَوَازِ الرَّدِّ فَذَاكَ، وَيَسْتَرْجِعُ قِسْطَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ الْإِمَامُ: إذْ لَوْ قُلْنَا: يَسْتَرْجِعُ الْجَمِيعَ وَبَاقِي الْمَبِيعِ فِي يَدِهِ فَكَانَ مُضِيًّا إلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ، وَأَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ: لِمَ لَا يُقَالُ يَبْقَى الْبَاقِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَا يَسْتَرْجِعُ شَيْئًا؟ وَيَكُونُ الْمَرْدُودُ