فهرس الكتاب
ج / 11 ص -258- قلت: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقَةِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، بَلْ الَّذِي فِيهَا أَنَّا إذَا قُلْنَا لَا يَرُدُّ رَجَعَ بِالْأَرْشِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَأَنَّا إنْ قُلْنَا لَهُ رَدُّهُ فَيَرُدُّهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ خُرَاسَانَ: الْعَقْدُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِيهِمَا جَمِيعًا ثُمَّ يَرُدُّ الْبَاقِيَ وَقِيمَةَ التَّالِفِ، وَيَسْتَرْجِعُ كَمَا فِي الْمُصَرَّاةِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَيُخَالِفُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَقَالَ: يَرْجِعُ إلَى حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ، فَالْعَجَبُ مِنْ الرَّافِعِيِّ رحمه الله إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْخُرَاسَانِيِّينَ كَمَا رَأَيْتُ، لَكِنَّهُ جَعَلَهُ مُفَرَّعًا عَلَى الْقَوْلِ بِالرَّدِّ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَجَعَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ رحمهما الله مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فَعَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ، فَإِنَّ أَبَا الطَّيِّبِ يَقُولُ: إنْ قُلْنَا لَا يَرُدُّهُ أَيْ أَصْلًا يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وإن قلنا: يَرُدُّهُ فَهَلْ يُفْرِدُهُ؟ أَوْ يَضُمُّ مَعَهُ قِيمَةَ التَّالِفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنْ قُلْنَا يُفْرِدُهُ اسْتَرَدَّ الْقِسْطَ، وَإِلَّا فَهَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، أَوْ يَضُمُّ مَعَهُ قِيمَةَ التَّالِفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: فَالْكَلَامَانِ رَاجِعَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي نِسْبَةِ الرَّافِعِيِّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ إلَى اخْتِيَارِ أَبِي الطَّيِّبِ وَوَافَقَ الرَّافِعِيَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَزَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ، أَعْنِي فِي ضَمِّ قِيمَةِ التَّالِفِ إلَى الْمَوْجُودِ كَمَا حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي الشَّامِلِ بَلْ رَأَيْتُ فِيهِ مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ الْوَهْمِ الَّذِي عَرَضَ لِلرَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ هُوَ عَلَيْهِ فِي النَّقْلِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ: حَكَى أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ بَعْضِ أَهْل خُرَاسَانَ أَنَّهُ يُفْسَخُ الْعَقْدُ قَالَ: وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ. فَلَعَلَّ الرَّافِعِيَّ طَالَعَ ذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَالَ لِأَبِي الطَّيِّبِ وَإِنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ أَهْلِ خُرَاسَانَ يُبَيِّنُهُ مَا فِي تَعْلِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّافِعِيَّ فِي ذَلِكَ الْعِمْرَانِيُّ فَنَقَلَ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّوَائِدِ مِنْ الشَّامِلِ. وَزَادَ فَقَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا هُوَ السُّنَّةُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ [أَنَّهُ] هُوَ الْقَاضِي، وَابْنُ الصَّبَّاغِ نَاقِلٌ عَنْهُ أَوْ مُوَافِقٌ لَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ لِأَنَّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَبَضَهُمَا فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا وَأَصَابَ بِالْآخَرِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقَائِمَ وَقِيمَةَ التَّالِفِ، وَيَرْجِعَ بِأَصْلِ الثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَاهُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الثَّمَنَ كُلَّهُ قَدْ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ، وَهُوَ يُرِيدُ إسْقَاطَ الشَّيْءِ عَنْهُ لِمَا يَدَّعِي مِنْ كَثْرَةِ قِيمَةِ الْغَائِبِ وَلَا أَقْبَلُ دَعْوَاهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ: وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: إذَا اشْتَرَى شَيْئَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلَكَ وَاحِدٌ وَأَصَابَ بِالْآخَرِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَى الرَّدِّ سَبِيلٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الشَّيْءَ كَمَا أَخَذَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَرُدَّهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ كَانَ لَا رَدَّ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَ عَلَيْهِ مَا اشْتَرَى مِنْهُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي الثَّوْبِ الْبَاقِي، فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ يَقْتَضِي إثْبَاتَ قَوْلَيْنِ:
أحدهما: يَضُمُّ قِيمَةَ التَّالِفِ إلَى الْبَاقِي وَيَرُدُّهُمَا.