فهرس الكتاب
ج / 11 ص -262- فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّدَّ وَالْآخَرُ الْإِمْسَاكَ فَذَلِكَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي شِرَاءِ الِاثْنَيْنِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَرِي النِّصْفِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. انْتَهَى.
والقول الثاني: وَيُحْكَى عَنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ الْقَدِيمِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّهُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة إنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْفِرَادُ بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ كَامِلًا وَالْآنَ يَعُودُ إلَيْهِ بَعْضُهُ، وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَا يُشْتَرَى بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الثَّمَنِ لَوْ بِيعَ كُلُّهُ، وَرُبَّمَا أَوْرَدُوا ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا: خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مُجْتَمِعًا أَوْ صَفْقَةً وَاحِدَةً. وَمِنْ هَذَا الْقَوْلِ أُخِذَ أَنَّ الصَّفْقَةَ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِي مُتَّحِدَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ كَثِيرُونَ أَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَعَدِّدَةٌ، وَبِذَلِكَ مَنَعُوا مَنْ قَالَ: خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ صَفْقَةً. وَمَنَعُوا أَيْضًا مَنْ قَالَ: خَرَجَ مُجْتَمِعًا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله فِي اسْتِدْلَالِهِ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ الْبَائِعَ فَرَّقَ الْمِلْكَ فِي الْإِيجَابِ. أَيْ فَلَمْ يَخْرُجَ مُجْتَمِعًا. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: كَلَامُكَ إنْ أُرِيدَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَهِيَ مَعْنًى، وَإِنْ أُرِيدَ التَّأْكِيدُ فَلَا يُفِيدُ. وَمَنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ رحمه الله جَازِمٌ بِأَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَعَدِّدَةٌ. وَاعْتَرَضَ الْقَائِلُونَ بِاتِّحَادِهَا وَامْتِنَاعِ الِانْفِرَادِ بِالرَّدِّ، مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكُمَا هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَبِمَا إذَا أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ الثَّمَنِ وَأَرَادَ إجْبَارَ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ نِصْفِ الْعَبْدِ، وَبِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ. وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ عِنْدَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ أحدهما: يَصِحُّ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ قَبِلَ صَاحِبُهُ أَوْ رَدَّهُ، وَقِيلَ إنَّ لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله نَصًّا فِي الْخُلْعِ يَشْهَدُ لَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي الْقِيَاسِ، وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ والثاني: وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي النَّقْلِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ لَا يَصِحُّ وإن قلنا: بِالتَّعَدُّدِ فَإِنَّ صِيغَةَ إيجَابِ الْبَائِعِ تَقْتَضِي جَوَابَهُمَا، فَكَأَنَّهَا مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يُجِيبَاهُ مَعًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ عُرْفًا. وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا أَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ نَصِيبِهِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْبَائِعَ هَذَا الَّذِي شَرَطَ بَيْنَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْعَيْبُ حَادِثًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ عَرَفْتَ بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ رحمه الله أَمَسُّ بِكَلَامِ الْمُخَالِفِ مِنْ اسْتِدْلَالِ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ مَا مَلَكَ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ صَحِيحًا. وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ مِنْهُمَا فِي صَفْقَتَيْنِ، أَيْ مُتَعَدِّدَتَيْنِ لَفْظًا، فَإِنَّ هَذِهِ مُتَعَدِّدَةٌ حُكْمًا لَا لَفْظًا.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْأَوْلَى أَنْ يُفْرَضَ الْكَلَامُ فِيمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَالْبَائِعُ وَارِثُهُ، أَوْ عَادَ إلَى الْبَائِعِ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِالْبَيْعِ أَوْ بِالْهِبَةِ كَيْ يَسْقُطَ عَلَى كَلَامِهِمْ أَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى رَجُلَانِ شِقْصًا مِنْ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا بِالشُّفْعَةِ. وَهَذَا الَّذِي الْتَزَمَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ مُتَعَدِّدٌ هُوَ الْمَشْهُورُ.