فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 4102

ج / 1 ص -284- وَحَكَوْهُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْإِبَاحَةِ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُفًّا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالنَّعْلِ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ، وَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّعْلِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ رضي الله عنه:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ"وَعَنْ أَبِي مُوسَى مِثْلُهُ مَرْفُوعًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ كَالْخِرْقَةِ.

وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَوْجُهٍ: أحدها: أَنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَنُقِلَ تَضْعِيفُهُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْلَامُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ فَهَؤُلَاءِ مُقَدَّمُونَ عَلَيْهِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَوْ انْفَرَدَ قُدِّمَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. الثاني: لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى الَّذِي يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ. الثالث: حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ رحمه الله عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ لَا أَنَّهُ جَوْرَبٌ مُنْفَرِدٌ وَنَعْلٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَسَحَ جَوْرَبَيْهِ الْمُنَعَّلَيْنِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ ضَعْفًا، وَفِيهِ أَيْضًا إرْسَالٌ، قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ إمَّا لِرِقَّتِهِ أَوْ لِثِقَلِهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ وَمَا سِوَاهُ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ الرُّخْصَةُ ."

الشرح: أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِرِقَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لِثِقَلِهِ كَخُفِّ الْحَدِيدِ الثَّقِيلِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشُّيُوخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا، وَقَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِالْجَوَازِ وَإِنْ عَسُرَ الْمَشْيُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ اللَّابِسِ لَا الْمَلْبُوسِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَحْوَالِ الْمُلَابِسِينَ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ خُفَّ الْحَدِيدِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ عَلَى مَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ مَعَ عُسْرٍ وَمَشَقَّةٍ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ صَالِحٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ. وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ بُعْدٌ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى خِلَافٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَرْعٌ: فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمَا سَبَقَ:

إحداها: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ جِنْسِ الْخُفَّيْنِ بَلْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جِلْدًا وَالْآخَرُ لِبْدًا وَشِبْهَ ذَلِكَ جَازَ، وَلِذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِلْدٍ وَالْآخَرُ مِنْ خَشَبٍ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ هَذَا فِيمَنْ قُطِعَ بَعْضُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت