فهرس الكتاب
ج / 2 ص -276- خلاف فيه عندنا، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعبدري: وهو قول أكثر العلماء، ونقله ابن المنذر في"الإشراف"عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد الله المزني والأوزاعي ومالك والثوري وإسحاق وأبي ثور. قال ابن المنذر: وبه أقول. وحكي عن عائشة والنخعي والحكم وابن سيرين منع ذلك، وذكر البيهقي وغيره: أن نقل المنع عن عائشة ليس بصحيح عنها، بل هو قول الشعبي أدرجه بعض الرواة في حديثها.
وقال أحمد: لا يجوز الوطء إلا أن يخاف زوجها العنت، واحتج للمانعين بأن دمها يجري فأشبهت الحائض، واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي في الأم، وهو قول الله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: من الآية222] وهذه قد تطهرت من الحيض. واحتجوا أيضا: بما رواه عكرمة عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها"أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها". رواه أبو داود وغيره بهذا اللفظ بإسناد حسن، وفي صحيح البخاري قال: قال ابن عباس:"المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم"؛ ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة والصوم والاعتكاف والقراءة وغيرها، فكذا في الوطء؛ ولأنه دم عرق، فلم يمنع الوطء كالناسور؛ ولأن التحريم بالشرع ولم يرد بتحريم، بل ورد بإباحة الصلاة التي هي أعظم كما قال ابن عباس. والجواب عن قياسهم على الحائض: أنه قياس يخالف ما سبق من دلالة الكتاب والسنة فلم يقبل؛ ولأن المستحاضة لها حكم الطاهرات في غير محل النزاع فوجب إلحاقه بنظائره لا بالحيض الذي لا يشاركه في شيء.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، قال الشافعي رحمه الله: أعجل من سمعت من النساء تحيض، نساء تهامة يحضن لتسع سنين، فإذا رأت الدم لدون ذلك فهو دم فساد، ولا تتعلق به أحكام الحيض".
الشرح: تهامة -بكسر التاء- وهو: اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تهامة، قال ابن فارس: سميت تهامة من التهم يعني بفتح التاء والهاء- وهو شدة الحر وركود الريح، وقال صاحب"المطالع": سميت بذلك لتغير هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغير.
أما حكم المسألة: ففي أقل سن يمكن فيه الحيض؟ ثلاثة أوجه الصحيح استكمال تسع سنين، وبه قطع العراقيون وغيرهم. والثاني: بالشروع في التاسعة. والثالث: بمضي نصف التاسعة، والمراد بالسنين القمرية. والمذهب الذي عليه التفريع استكمال تسع وهل هي تحديد أم تقريب؟ وجهان حكاهما صاحب"الحاوي"والدارمي في كتاب المتحيرة والمتولي والشاشي وغيرهم. أحدهما: تحديد، فلو نقص عن التسع ما نقص فليس بحيض وهذا مقتضى إطلاق كثيرين وأصحهما: تقريب صححه الروياني والرافعي وغيرهما، فعلى هذا قال صاحب"الحاوي": لا يؤثر نقص اليوم واليومين، قال الدارمي: لا يؤثر الشهر والشهران.