فهرس الكتاب
ج / 3 ص -9- الصَّلَاةِ لَحْظَةٌ ثُمَّ زَالَ الْجُنُونُ عَقِبَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ قَضَاءُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَ. وَقَالَ أَحْمَدُ يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ وَإِنْ كَثُرَ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، وَرُوِيَ مِثْلُ مَذْهَبِنَا عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَالله أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ شُرْبُ الدَّوَاءِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ لِلْحَاجَةِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: شُرْبِ دَوَاءٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِذَا زَالَ عَقْلُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَلَوْ اُحْتِيجَ فِي قَطْعِ يَدِهِ الْمُتَآكِلَةِ إلَى تَعَاطِي مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا جَوَازُهُ، وَسَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِفُرُوعِهَا فِي بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ. أَمَّا إذَا أَرَادَ تَنَاوُلَ دَوَاءٍ فِيهِ سُمٌّ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ جَازَ تَنَاوُلُهُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ أَنَّ فِي تَنَاوُلِهِ إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ قَوْلَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ فَإِنْ حَرَّمْنَاهُ وَزَالَ عَقْلُهُ بِتَنَاوُلِهِ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ نُحَرِّمْهُ فَلَا قَضَاءَ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله: إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَ الشَّرَابِ مُسْكِرًا أَوْ كَوْنَ الدَّوَاءِ مُزِيلًا لِلْعَقْلِ لَمْ يَحْرُمْ تَنَاوُلُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَهُ مُسْكِرٌ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِتَقْصِيرِهِ وَتَعَاطِيهِ الْحَرَامَ. وَأَمَّا مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ كَالْبَنْجِ وَهَذِهِ الْحَشِيشَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ وَوُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، وَيَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ1، وَالله أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ وَثَبَ مِنْ مَوْضِعٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَإِنْ فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ فَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَبَثًا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ. هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَثَبَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَلَا قَضَاءَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مَعَ نَظَائِرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَأَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا فِعْلُ الصَّلَاةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَإِنْ جُنَّ فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَفَاتَهُ صَلَوَاتٌ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَفَاتَهَا صَلَوَاتٌ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الصَّلَاةِ عَنْ الْمَجْنُونِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَسُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنْ الْحَائِضِ عَزِيمَةٌ، وَلَيْسَ لِأَجْلِ التَّخْفِيفِ ، وَالْمُرْتَدُّ مِنْ أَهْلِ الْعَزَائِمِ.
الشرح: أَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِمَا وَلَا قَضَاءَ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وكذلك يجب التعزير في شرب الدخان لتيقن ضرره بإجماع الأطباء مسلمين وغير مسلمين وتغيير نكهة الفم بما يؤذي الملائكة لمن يدخل المسجد من المدخنين (ط) .