الصفحة 11 من 14

بحث في: (غسل الكعبة ومحو ما فيها من التصاوير) :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

وبعد:

فهذه وريقات في (غسل الكعبة ومحو التصاوير التي فيها) كتبتها للإستفادة، أرجو من الله (أن ينفع بها، وأن يجعلها خلاصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

فأقول وبالله التوفيق ومنه استمد العون:

قال ابن أبي شيبة في المصنف (38074) :"حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (( ح) ."

وَعَنْ أَخِيهِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُبَيْدَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (دَخَلَ مَكَّةَ حِينَ…وفيه: (ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلًا(، فَرَقَيَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَأَذَّنَ بِالصَّلاَةِ، وَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فَتَجَرَّدُوا فِي الأُزُرِ، وَأَخَذُوا الدِّلاَءَ، وَارْتَجَزُوا عَلَى زَمْزَمَ يَغْسِلُونَ الْكَعْبَةَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا، فَلَمْ يَدَعُوا أَثَرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلاَّ مَحَوْهُ، أَوْ غَسَلُوهُ) .

وقال الفاكهي في أخبار مكة (185) : حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ الْمروزِي، حَدثنَا عبيدالله بن مُوسَى، حَدثنَا مُوسَى بن عُبَيْدَة، عَن عبدالله بن دِينَار، عَن ابْن عمر (، قَالَ: (أَمر رَسُول الله (بِلَالًا(فرقي على ظهر الْكَعْبَة، فَأذن بِالصَّلَاةِ، وَقَامَ الْمُسلمُونَ فتجردوا فِي الأزر، وَأخذُوا الدلاء، وارتجزوا على زَمْزَم، فغسلوا الْكَعْبَة ظهرهَا وباطنها، فَلم يدعوا أثرًا من آثَار الْمُشْركين إِلَّا محوه وغسلوه) .

الكلام على الرواية:

في سنده موسى بن عبيدة. قال البخاري في التاريخ الكبير (7/ 291) :"موسى بن عبيدة بن نشيط أبو عبد العزيز الربذي مولى، منكر الحديث قاله أحمد بن حنبل، وقال علي بن المديني عن القطان قال: كنا نتقيه تلك الأيام".

وقال الأمام أحمد:"موسى بن عبيدة وأخوه لا يشتغل بهما".

وقال أيضًا:"لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة، قلنا: يا أبا عبدالله لا يحل؟، قال: عندي، قلت: فان سفيان وشعبة قد رويا عنه، قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه".

قال أبو بكر بن أبى خيثمة:"سألت يحيى بن معين عن عبدالله بن عبيدة؟، فقال: هو أخو موسى بن عبيدة -ولم يرو عن عبدالله بن عبيدة أحد غير موسى بن عبيدة- وحديثهما ضعيف".

قال أبو حاتم:"منكر الحديث".

قال أبو زرعة:"ليس بقوي الحديث".

وقال ابن حبان في المجروحين:"وكان من خيار عباد الله نسكًا وفضلًا وعبادةً وصلاحًا، إلا أنه غفل عن الإتقان في الحفظ، حتى يأتي بالشيء الذي لا أصل له متوهمًا، ويروي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات، من غير تعمد له، فبطل الاحتجاج به من جهة النقل، وإن كان فاضلًا في نفسه".

وقد رواه عن عبدالله بن دينار، وهو متكلم في روايته عنه. قال الإمام أحمد:"موسى بن عبيدة لا يشتغل به، وذلك أنه يروى عن عبدالله بن دينار شيئًا لا يرويه الناس".

وقال يحيى بن معين:"حديث موسى بن عبيدة ضعيف، وإنما ضعف حديث موسى بن عبيدة، لأنه روى عن عبدالله بن دينار أحاديث مناكير".

وقال الحافظ ابن حجر:"ضعيف، ولا سيما في عبدالله بن دينار".

وقد خالفه أخوه فرواه مرسلًا.

الحديث الثاني:

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران، قال: حدثني عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد قال:"دخلت على رسول الله (في الكعبة، ورأى صورًا، قال: فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فجعل يمحوها، ويقول: قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون".

وقال الواقدي في المغازي: وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِالرّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (قَالَ: (دَخَلْت مَعَ رَسُولِ اللهِ صل(الْكَعْبَةَ، فَرَأَى فِيهَا صُوَرًا، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ فِي الدّلْوِ بِمَاءِ فَيَبُلّ الثّوْبَ وَيَضْرِبَ بِهِ الصّوَرَ، وَيَقُولُ: قَاتَلَ اللّهُ قَوْمًا يُصَوّرُونَ مَا لاَ يَخْلُقُونَ) .

وقال البغوي في الجعديات: حدثنا علي، أنا ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران، عن عمير أو كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد (، عن النبي (:(أنه دخل الكعبة، فرأي فيها صورًا، قال: فأمرني فأتيت بدلو ماء، فجعل يضرب الصور، وقال: قاتل الله قومًا يصورون ولا يخلقون) .

وقال ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ (قَالَ: (دَخَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى(الْكَعْبَةَ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ صُورَةً، فَأَمَرَنِي فَأَتَيْته بِدَلْوٍ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ تِلْكَ الصُّورَةَ، وَيَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لاَ يَخْلُقُونَ) .

وقال إسحاق بن راهوية (كما في المطالب العالية 9/ 461) : وأخبرنا عثمان بن عمر، ثنا ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد (ن قال: دخلت مع رسول الله (الكعبة، فرأى فيها تصاوير، فقال: ابتغ لي ماء، فأتيته بماء في دلو، فجعل يبل به الثوب، ثم يضرب به الصور، ويقول:(قاتل الله أقوامًا يصورون ما لا يخلقون) .

وقال الطحاوي ي شرح معاني الآثار (4/ 283) : حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد (، عن النبي (أنه دخل الكعبة فرأى فيها صورة، فأمرني فأتيته بدلو من ماء، فجعل يضرب به الصور، يقول:(قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون) .

وقال الطبراني في الكبير: حَدَّثَنَا الأَسْفَاطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعُمَرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (، أَنَّ النَّبِيَّ (:(دَخَلَ الْبَيْتَ فَرَأَى صُوَرًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَجَعَلَ يَمْحُوهَا، وَيَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لاَ يَخْلُقُونَ) .

وقال البيهقي في الشعب: أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ (، أَنَّهُ قَالَ: (دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ(الْكَعْبَةَ فَرَأَى فِيهَا صُوَرًا، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِمَاءٍ، فَكُنْتُ آتِيهِ بِمَاءٍ فِي الدَّلْوِ، فَجَعَلَ يَبُلُّ الثَّوْبَ ثُمَّ يَضْرِبُ بِهِ الصُّوَرَ، وَيَقُولُ: قَاتَلَ اللهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ) .

وأخرجه الضياء من طريق الطيالسي، ومن طريق الطبراني.

ذكر المتابع لعبدالرحمن بن مهران:

قال الضياء: أخبرنا عبيد الله اللفتواني بأصبهان، أن الحسين بن عبد الملك الأديب أخبرهم قراءة عليه، أنا عبدالرحمن بن أحمد المقرئ، أنا جعفر بن عبدالله، أنا محمد بن هارون الروياني، أنا أحمد بن عبدالرحمن، أنا عمي ابن وهب، حدثني ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبدالرحمن، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد (أنه قال: (دخلت مع رسول الله(الكعبة، فرأى فيها صورًا، فأمرني أن آتيه بماء، فكنت أتيه بماء في الدلو، فجعل يبل الثوب ثم يضرب به الصور، يقول: قاتل الله قومًا يصورون مالا يخلقون) .

الكلام على الروايات:

أولًا: الحديث في سنده عبدالرحمن بن مهران مولى بني هاشم، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل له ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فقال:"عبدالرحمن بن مهران مولى بني هاشم، روى عن عبدالرحمن بن سعد، عن أبي هريرة (، روى عنه ابن أبي ذئب، سمعت أبي يقول ذلك".

وقال الحافظ ابن حجر عنه:"مجهول".

وأما ابن حبان فقد خلط بينه وبين مولى أبي هريرة (، فقال في الثقات:"عَبْدالرَّحْمَن بْن مهْرَان مولى بني هَاشم من أهل الْمَدِينَة، يَرْوِي عَن أبي هُرَيْرَة (، ويروي عَن عَبْدالرَّحْمَن بْن سعد، عَن أبي هُرَيْرَة (، روى عَنهُ مُحَمَّد بْن أَبِي ذِئْب".

وقال في موضع أخر:"عَبْدالرَّحْمَن بْن مهْرَان مولى أبي هُرَيْرَة، يَرْوِي عَن أبي هُرَيْرَة (".

والصواب أن عبدالرحمن بن مهران مولى أبي هريرة (غير عبدالرحمن بن مهران مولى بني هاشم، مولى أبي هريرة (أقدم طبقة من صاحب الترجمة، وقد خلط بينهما تقس الدين الفاسي في شفاء الغرام(1/ 284) تبعًا لابن حبان، فقال:"رجال هذا الحديث ثقات، فإن ابن أبي ذئب هو: محمد بن عبدالرحمن الإمام المشهور، وشيخه: عبدالرحمن بن مهران وثقه النسائي، وابن سعد، وابن حبان، وشيخه عمير روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي".

وأما الخطيب البغدادي فقد فرق بينهما في المتفق والمفترق، فقال:"وقد حدث ابن أبي ذئب أيضًا، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبدالرحمن بن مهران، عن أبي هريرة (، وذاك غير هذا، ذاك مولى أبي هريرة (، وله ولد يسمى محمدًا، روى عنه، وأنا أذكر حديثه بعد فراغي من هذه الترجمة إن شاء الله…ثم قال: عبدالرحمن بن مهران اثنان: أحدهما مولى بني هاشم، وقد ذكرنا حديثه في الترجمة المذكورة آنفًا، والآخر عبدالرحمن بن مهران مولى أبي هريرة (".

وتبعه المزي في تهذيب الكمال (4/ 479) ، وهذا هو الصواب، وهو صنيع البخاري، وابن أبي حاتم، فإن الذي يروي عنه ابن أبي ذئب مباشرة هو مولى بني هاشم، وأما الذي يروي عنه بواسطة فهو مولى أبي هريرة (.

قال البخاري في تاريخه:"عَبدالرَّحمَن بْن مِهران، مَولَى أَبي هُرَيرةَ الدَّوسِيّ، عن أَبي هُرَيرةَ (، رَوَى عَنه الحارث بْن عَبدالرَّحمَن بْن أَبي ذُباب المَدِينِيّ الأَزدِيّ، وقد روى ابْن أَبي ذِئب، عَنِ المَقبُرِيّ، عَنْ عَبدالرَّحمَن بْن مِهران".

وقال ابن أبي حاتم:"عبدالرحمن بن مهران مولى أبي هريرة الدوسي، روى عن أبي هريرة (، روى عنه سعيد المقبري، والحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب المديني، سمعت أبي يقول ذلك، وسألته عنه فقال: صالح، قال أبو محمد: وروى عنه ابنه محمد بن عبد الرحمن المدني".

وأما قول ابن سعد في الطبقات (1/ 389) :"عبدالرحمن بن مهران مولى بني هاشم، له أحاديث، روى عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري، وابن أبي ذئب".

فإن كان ما وقع في طبعة الطبقات صحيحًا، فهو تخليط، فقد جاء عنده في الطبقات ما يخالف هذا، فقال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ(لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: لا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلا تَتَّبِعُونِي بِنَارٍ، وَأَسْرِعُوا بِي إِسْرَاعًا) .

وفيه: (أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ مَرْوَانَ جَاءَ يَعُودُ أَبَا هُرَيْرَةَ (, فَوَجَدَهُ فِي غَمِيَّةٍ, فَقَالَ: عَافَاكَ اللَّهُ، فَرَفَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ (رَأْسَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَاجْدُدْ، فَخَرَجَ مَرْوَانُ, فَأَدْرَكَهُ إِنْسَانٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْقَطَا فَقَالَ: قَدْ قَضَى أَبُو هُرَيْرَةَ .

وفيه: (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عن ابن أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ مِهْرَانَ، أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ عَلِيٍّ (، وَتَزَوَّجَ مَعَهَا امْرَأَةَ عَلِيٍّ(لَيْلَى بِنْتَ مَسْعُودٍ فَكَانَتَا تَحْتَهُ جَمِيعًا) .

وعبدالرحمن في هذا الإسناد هو مولى بني هاشم، أما الذي قبله فهو مولى أبي هريرة (.

وقول الفاسي:"وثقه النسائي، وابن سعد"لم أقف عليه فيما بين يدي من مصادر.

ثم وقفت في سؤالات البرقاني للدراقطني على نوع توثيق له، فقال (97) :"قلت له: ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران، عن عبدالرحمن بن سعد؟، فقال: هذا عبدالرحمن أيضًا مدني يعتبر به، وعبدالرحمن بن سعد صالح مدني".

فهذا محمول على إذا لم يخالف، وهنا قد خالف غيره ممن هو أولى منه، في سند الحديث ومتنه.

ولا تنفع عبدالرحمن بن مهران متابعة الحارث بن عبدالرحمن، فإن في سندها ابن أخي ابن وهب، وقد أخطأ فيها، هو أو من دونه، فقد خالفه بحر بن نصر، فقال في روايته: (عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران) كما في رواية الجماعة عن ابن أبي ذئب، والحديث حديثه.

ووقع له خطأ أخر، حيث قال في سنده: (عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنهما) ، وصوابه كما في باقي الروايات (عن عمير مولى ابن عباس رضي الله عنهما) ، هكذا رواه الطيالسي، والواقدي، وشبابة بن سوار، وعثمان بن عمر، وخالد بن يزيد العمري، وابن وهب -من رواية بحر بن نصر عنه-، عن ابن أبي ذئب، عن عبدالرحمن بن مهران، ولا تنفعه متابعة علي بن الجعد فقد وقع فيها شك، وهو من البغوي، فقد خالفه ابن أبي داود فرواه عن علي بن الجعد، فقال: (عن عمير مولى ابن عباس) ولم يشك، والرواية الجازمة أولى بالقبول من الرواية التي وقع فيها الشك، خاصة وأنها موافقة لرواية الجماعة.

وعندي -والله أعلم- أن ابن أخي ابن وهب دخل عليه حديث في حديث، فإن لفظ الحديث الذي رواه ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبدالرحمن، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد (قال: (دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (وَعَلَيْهِ كَآبَةٌ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (؟!، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتِيَنِي مُنْذُ ثَلَاثٍ، قَالَ: فَجَاز كَلْبٌ، قَالَ أُسَامَةُ (: فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِي وَصِحْتُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ (يَقُولُ: مَا لَكَ يَا أُسَامَةُ؟!، فَقُلْتُ: جَاز كَلْبٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ (بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ (فَهَشَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(: مَا لَكَ أَبْطَأْتَ عَلَيَّ وَقَدْ كُنْتَ إِذَا وَعَدْتَنِي لَمْ تُخْلِفْنِي، قَالَ: إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَصَاوِيرُ) .

هكذا رواه الطيالسي، وعثمان بن عمر، وشابة بن سوار، وابن وهب، وحسين بن محمد، وعبدالعزيز بن محمد، وخالد بن يزيد العمري، كلهم عن ابن أبي ذئب، عن الحارث ابن عبدالرحمن، عن كريب مولى ابن عباس به، وهذا هو اللفظ الصحيح للحديث.

ثانيًا: مما يخالف ما رواه عبدالرحمن بن مهران أن النبي (لم يدخل الكعبة حتى محيت الصور التي فيها، فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، (أَنَّ النَّبِيَّ(لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي البَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ بِأَيْدِيهِمَا الأَزْلاَمُ، فَقَالَ «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهِ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالأَزْلاَمِ قَطُّ) .

وفي رواية (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ عليهما السلام فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلاَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ، فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيه…) .

وروى أحمد عن عبدالله بن الحارث واللفظ له، والبيهقي قي السنن من طريق حجاج الأعور كلاهما، عن ابن جريج، قال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ (( يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ (نَهَى عَنِ الصُّوَرِ فِي الْبَيْتِ، وَنَهَى الرَّجُلَ أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ (أَمَرَ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ(زَمَنَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، وَلَمْ يَدْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهِ) .

وروي من وجه أخر، فروى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ (: (أَنَّ النَّبِيَّ (أَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (زَمَنَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ أَنْ يَأْتِيَ الْكَعْبَةَ، فَيَمْحُوَ كُلَّ صُورَةٍ فِيهَا، وَلَمْ يَدْخُلْهَا النَّبِيُّ(حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهَا) .

لكن جاء ما يدل على خلاف ذلك، فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق كريب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ (البَيْتَ، فَوَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ(، وَصُورَةَ مَرْيَمَ، فَقَالَ: أَمَا لَهُمْ، فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ المَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرٌ، فَمَا لَهُ يَسْتَقْسِمُ) .

والجواب من عدة وجوه:

الوجه الأول: أن رواية عكرمة مقدمة على رواية كريب، وقد دل على معنى رواية عكرمة حديث جابر (.

أقول: لكن رواية كريب في الصحيح، والجمع مقدم على الترجيح عند إمكانه، وهو ممكن بفضل الله كما سيأتي.

الوجه الثاني: أن تحمل رواية كريب على أنه عنى بالبيت المسجد الحرام.

أقول: هذا فيه بعد وظاهر الرواية يخالفه، فإن فيها (دخل النبي(البيت فوجد فيه صورة إبراهيم ومريم) .

الوجه الثالث: أن النبي (دخل البيت مرتين.

وهذا مختلف فيه، فقد قال الأزرقي في أخبار مكة (1/ 271) : حدثني جدي، قال: سمعت سفيان يقول: سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون أن رسول الله (إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج ولم يدخلها"."

وهذا هو الصواب، ونظر ما كتب في هذه المسألة تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام (1/ 295 وما بعدها) .

وهذه الوجوه الثالثة ذكرها العلائي في رسالته جزء في صلاة النبي (في الكعبة ضمن مجموع فيه رسائله(3/ 62) .

الوجه الرابع: أنه بقيت بقية من الصور خفيت على من محاها أولًا قاله الحافظ ابن حجر.

وهذا أيضًا يخالفه ظاهر الرواية حيث جاء فيها (حَتَّى مُحِيَتْ كُلُّ صُورَةٍ فِيهَا) ، وهذا هو اللائق بمن يرسله النبي (لهذه المهمة العظيمة، وهي التأكد من خلو البيت من جميع الصور، تعظيما ًللبيت، وإزالة للمنكر.

الوجه الخامس: أن النبي (لما أراد دخول البيت رأى الصور من خارج الكعبة وقد كان يريد أن يدخلها، فتوقف حتى محيت تلك الصور، ثم دخلها بعد، وهذا أحسن الوجوه عندي في الجمع بينهما، ويؤيده رواية البخاري (أَنَّ النَّبِيَّ(لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي البَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ) ، ولم أقف على من قاله.

ثالثًا: جاء عند الأزرقي في أخبار مكة (1/ 270) ، قال: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِالْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ (يَوْمَئِذٍ فَقَالَ:(لَمْ أَرَهْ صَلَّى فِيهَا) فَقَالَ أَبِي: وَذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ (اسْتِعَانَهُ لِحَاجَةٍ، فَجَاءَ وَقَدْ صَلَّى وَلَمْ يَرَهُ، قَالَ عَبْدُالْمَجِيدِ: قَالَ أَبِي: وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَهُ فَجَاءَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِيَطْمِسَ بِهِ الصُّوَرَ الَّتِي فِي الْكَعْبَةِ، فَصَلَّى خِلَافَهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَهْ صَلَّى.

وهذا لا يصح فإنه بلاغ، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة من وجهين:

الوجه الأول: أن الذي محا الصور هو عمر بن الخطاب (.

الوجه الثاني: أنه ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما كما في صحيح مسلم أنه قال: (رأيت رسول الله (حين دخل الكعبة، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة(، ولم يدخل معهم أحد، ثم أغلقت عليهم) ، فلم يذكر معه الفضل (، وهذا هو الصواب.

قال الفاسي في شفاء الغرام (1/ 293) :"وهذا يقتضي أن الفضل (لم يدخل مع المذكورين الكعبة…قال رحمه الله: وفي مسند أحمد ما يعارض ذلك، لأنه قال فيما رويناه عنه: حدثنا هشيم، أخبرنا غير واحد وابن وعون، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله (البيت ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد(…) وذكر الحديث، وروى ذلك النسائي، لأنه قال فيما رويناه عنه: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا هشيم، عن ابن عون…فذكره، وهذا الإسناد إن صح ففيه نظر، لأن رواية هشيم له شاذة، على ما ذكر شيخنا الحافظ العراقي عن بعض مشايخه، ونقل تضعيف حديث الفضل (، وأيضًا فإن للحديث الذي يرويه مسلم مزية في الصحة على ما يرويه غيره من الأحاديث الصحيحة، ير ما في صحيح البخاري، فإنه أميز في الصحة مما في مسلم عند محققي أهل الحديث".

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت