الكلام على حديث تشبيه المدينة بالرمانة:
قال الديلمي في مسنده (2/ 22/أ) : أخبرني أبي قدس الله روحه، قال: أخبرنا أبو الحسين الحافظ، قال: أخبرنا أبو محمد الحسين بن محمد الخلال، حدثنا عبيدالله بن أحمد بن يعقوب، حدثنا عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم المدائني، حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا عبدالله بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبي صالح السمان، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (: (كيف بكِ يا عائشة إذا رجع الناس إلى المدينة فكانت كالرمانة المحشوة، يطعمهم الله(من فوق رؤوسهم، ومن تحت أرجلهم، ومن الجنة) .
الحديث لم أجده إلا عند الديلمي، وإليه وحده عزاه السيوطي في جمع الجوامع (5/ 513) ، والتقي الهندي في كنز العمال (12/ 114، وقد ذكره الذهبي في الميزان في ترجمة عبدالله بن أبي يحيى(3/ 525) ، وفيه: عن أبي صالح السمان وعوف بن الطفيل، وفي آخره قال في لفظه: (ومن جنات عدن) ، وعند الحافظ ابن حجر في اللسان (3/ 377) : (قالت: فمن أين يأكلون يا رسول الله(؟، قال: يطعمهم الله من فوقهم، ومن تحت أقدامهم، ومن جنات عدن) .
أقول: الحديث منكر لا يصح عن النبي (، في سنده يعقوب بن حميد بن كاسب، قال ابن معين: ليس بشيء.
وقال في رواية: كذاب، خبيث، عدو لله، محدود، قيل له: فمَن كان محدودا لا يقبل حديثه؟، فقال: لا، لا يقبل حديث من حد .
وقال عباس العنبري: يوصل الحديث .
وقال البخاري عنه في التاريخ الأوسط رواية الخفاف: نحن لم نر إلا خيرا، فيه بعض السهولة، وأما في الأصل صدوق، قال أبو محمد الخفاف: قال محمد بن يحيى يعني الذهلي: ليس بصدوق في الأصل، وكان حدث عنه ثم ضرب على حديثه، فقال: كتبت عنه ثم سقط .
وقال أبو حاتم: هو ضعيف الحديث.
وقال عبد الرحمن: سألت أبا زرعة عن يعقوب بن كاسب؟، فحرك رأسه، قلت: كان صدوقا في الحديث، قال: لهذا شروط.
وقال في حديث رواه يعقوب: قلبي لا يسكن على ابن كاسب .
وقال زكريا بن يحيى الحلواني: رأيت أبا داود السجستاني - صاحب أحمد بن حنبل - قد ظاهر بحديث ابن كاسب وجعله وقايات على ظهور كتبه، فسألته عنه؟، فقال: رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعنا، ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري كانت مراسيل فأسندها وزاد فيها .
وقال النسائي: ليس بشيء، متروك .
وهو آفة الحديث، ولعله مما وصله من الحديث.
أقول: وليس في الإسناد من يتوجب النظر في حاله سواه، فمن أجل ذلك جعلنا الجناية في الحديث منه.
تنبيه: قال الذهبي في الميزان (3/ 525) في ترجمة عبدالله محمد بن أبي يحيى الأسلمي، قال فيه البخاري: حديثه منكر.
ثم ذكر هذا الحديث في ترجمته، وهذا منه عَصْبٌ للجناية برأس ابن أبي يحيى هذا.
وفيه نظر من وجهين:
أولا: عبدالله بن أبي يحيى وثقه جمع من أهل العلم، قال أحمد: ثقة، وكذا قال ابن معين .
وقال أبو داود: ثقة .
وذكره ابن خلفون في كتابه الثقات، وابن حبان أيضا .
وقال ابن شاهين في الثقات (191) : ليس به بأس .
ووثقه الخليلي في الإرشاد (1/ 308) .
وقال الحافظ: ثقة.
ثانيا: أني لم أجد كلمة البخاري رحمه الله في شيء من كتبه التي بين يدي، بل وجدت في التاريخ الكبير (5/ 20) ذكر عبدالله بن أبي يحيى هذا فقال: عن سعيد بن أبي هند المديني، سمع منه ابن أبي فديك.
وعلى قاعدته أنه محتمل، قال المزي في ترجمة ابن أبي المخارق من تهذيب الكمال (4/ 544) : قال الحافظ أبو محمد عبدالله بن سعيد بن يَرْبوع الأشبيلي: بين مسلم جرحه في صدر كتابه، وأما البخاري فلم ينبه من أمره على شيء فدل على أنه عنده على الاحتمال، لأنه قال في التاريخ: (كل من لم أبين فيه جُرْحَة فهو على الاحتمال، وإذا قلت: فيه نظر، فلا يحتمل) .
فإن قال قائل: البخاري لم يجرحه هو إنما قصد حديثه هذا؟، فالجواب: أن البلية إذن من غيره لا منه، ولذلك اعترضنا على الذهبي رحمه الله كونه جعل الحديث في ترجمته، إذ كان الأولى به أن يجعله في ترجمة ابن كاسب، والله أعلم.