بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
وبعد:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (8/ 55) من طريق وكيع، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبدالله اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن عبدالله رضي الله عنه قال: قالت أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه و سلم: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه و سلم، وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية رضي الله عنهما، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل) .
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل في مسائله (3/ 1349) :"رأيت أبي إذا دُعى له بالبقاء يكرهه، ويقول: هذا شيء قد فرغ منه".
وقال ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية (1/ 228) :"أما الدعاء بطول العمر فقد كرهه الأئمة، وكان أحمد إذا دعا له أحد بطول العمر يكره ذلك، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه".
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/ 409) :"وذكر الشيخ تقي الدين أنه يكره ذلك، وأنه نص عليه أحمد".
وقال في الفروع (10/ 335) :"وقد كره الإمام أحمد الدعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه, لأنه شيء فرغ منه, واختاره شيخنا, ويستعمله ابن عقيل وغيره".
واختار جوازه، وأجاب عن حديث أم حبيبة رضي الله عنها بقوله:"فلم ينه، ولم يقل إن الدعاء لا أثر له في زيادة العمر, وإنما أرشد إلى الأفضل، لأنه عبادة".
قال ابن الجوزي في كشف المشكل (1/ 337) :"فإن قيل: كيف ردها عن سؤال وعلل بالقدر، وأمرها بسؤال وهو داخل في باب القدر أيضًا؟ فالجواب: أن سؤال ما يجلب نفعًا في الآخرة، ويظهر عبودية من السائل أولى مما يجتلب به مجرد النفع في الدنيا، فأراد منها التشاغل بأمور الآخرة".
قال الذهبي في السير (8/ 219) :"وروى أبو عمر الضرير، عن أبي عوانة قال: دخلت على همام بن يحيى وهو مريض أعوده، فقال لي: يا أبا عوانة أدع الله أن لا يميتني حتى يبلغ ولدي الصغار، فقلت: إن الأجل قد فرغ منه، فقال لي: أنت بعد في ضلالك."
قلت: بئس المقال هذا، بل كل شيء بقدر سابق، ولكن وإن كان الأجل قد فرغ منه، فإن الدعاء بطول البقاء قد صح، دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لخادمه أنس رضي الله عنه بطول العمر، والله يمحو ما يشاء ويثبت، فقد يكون طول العمر في علم الله مشروطًا بدعاء مجاب، كما أن طيران العمر قد يكون بأسباب جعلها من جور وعسف، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، والكتاب الأول فلا يتغير"."
ثم هذا بحث مختصر في تخريج أحاديث استدل بها بعض أهل العلم في جواز الدعاء بطول العمر، فأقول مستعينًا بالله:
الحديث روي عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم:
• حديث عمرو بن غيلان الثقفي رضي الله عنه:
أخرجه: ابن أبي شيبة في المسند عن المعلي بن منصور (2/ 189) ، وابن ماجه في السنن عن هشام بن عمار (688) ، ويعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ عن الحكم بن موسى (1/ 326) ، وعباس الترقفي في جزءه عن محمد بن المبارك (166) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني من طريق معلى بن منصور (3/ 246) ، والطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس رضي الله عنهما من طريق أبي مسهر عبدالأعلى بن مسهر (1/ 282) ، والطبراني في الكبير (17/ 31) ، وفي مسند الشاميين من طريق هشام بن عمار (2/ 313) ، والأزدي في المخزون في علم الحديث من طريق أبي مسهر وطريق الحكم بن موسى (123) ، وأبو نعيم في المعرفة من طريقه وطريق هشام وطريق معلى (4/ 2032، و 2033) ، والبيهقي في الشعب من طريق الحكم وطريق محمد بن المبارك (13/ 65) ، وابن عساكر في تاريخه من طريقه وطريق هشام (46/ 304، و 48/ 134) ، والمزي في تهذيب الكمال من طريق هشام (5/ 451) ، كلهم عن صدقة بن خالد، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي عبيدالله مسلم بن مِشْكَم، عن عمرو بن غيلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك، فأقلل ماله، وولده، وحبب إليه لقاءك، وعجل له القضاء، ومن لم يؤمن بي، ولم يصدقني، ولم يعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك، فأكثر ماله، وولده، وأطل عمره) .
وهذا لفظ ابن ماجه، ولم يسم ابن أبي شيبة، والفسوي، وابن أبي عاصم، والطبراني في موضع، وأبو نعيم، والبيهقي، وابن عساكر في رواية لهم، والمزي شيخ يزيد بن أبي مريم، وكناه الترقفي (بأبي عبيدة) ، وفي رواية البيهقي (عن أبي عبيد بن مشكم) ، وسمى ابن عساكر شيخ مسلم بن مشكم في رواية (غيلان بن سلمة الثقفي) .
الكلام على الروايات:
أولًا: الحديث فيه عمرو بن غيلان الثقفي مختلف في صحبته، قاله ابن منده، وأبو نعيم، والصحيح أنه تابعي.
قال ابن أبي عاصم في الآحاد:"أصحابنا وضعوه في المسند، فلم يثبت لي أن له صحبة، وروى عن بلال رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في النفقات".
وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب (3/ 1197) :"حديثه عند أهل الشام، ليس بالقوي".
وقال أبو موسى الرعيني في الجامع لما في المصنفات الجوامع من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأحلام (4/ 241) :"في صحبته نظر".
وقال ابن السكن كما في الإصابة: لم يذكر في حديثه رواية ولا سماعًا.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (8/ 73) :"ذكره العسكري، والبغوي، وغير واحد في الصحابة رضي الله عنهم، وأوردوا له هذا الحديث، ولم يقع عند أحد منهم أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم".
وقال في الإصابة (4/ 554) :"ذكره خليفة، والمستغفري وغيرهما في الصحابة. وقال ابن السكن: يقال له صحبة. وقد ذكره بعضهم في الصحابة. وقال ابن منده: مختلف في صحبته. وقال ابن البرقي: لا تصح له صحبة. وذكره ابن سميع في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وقال: أدرك الجاهلية. قلت: إن كان أدرك الجاهلية فهو صحابي كما تقدم غير مرة أنه لم يبق في حجة الوداع أحد من أهل مكة والطائف إلا أسلم وشهدها. وقد ذكره علي بن المديني فيمن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ونزل البصرة".
أقول: الذي أدرك الجاهلية أبوه غيلان بن سلمة، وهو الذي أسلم رضي الله عنه وتحته عشر نسوة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن، فلعل ابن سميع شبه له، والله أعلم.
وقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6/ 253) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ثانيًا: قوله في رواية ابن عساكر (أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، ثم حدثني أبو مسعود عنه، أنبأنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا محمد بن يزيد بن عبدالصمد الدمشقي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا يزيد بن أبي مريم، عن أبي عبيد مسلم بن مشكم، عن غيلان بن سلمة الثقفي) وهم، والصواب: عمرو بن غيلان، هكذا رواه الطبراني في مسند الشاميين عن محمد بن يزيد بن عبدالصمد، وهكذا رواه عن هشام: ابن ماجه، وأحمد بن المعلى، والحسين بن إسحاق، وموسى بن سهل، والحسن بن سفيان، وأحمد بن زنجويه.
وانظر: السلسلة الصحيحة (3/ 326) .
• حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه:
أخرجه: الطبراني في الكبير من طريق محمد بن المبارك وطريق هشام بن عمار (20/ 85) ، وفي مسند الشاميين من طريق محمد بن المبارك (3/ 258) ، وابن عدي في الكامل من طريق هشام (6/ 208) ، والبيهقي في الشعب من طريقه (3/ 65) ، وأبو أحمد الحاكم في الفوائد كذلك (73) ، كلاهما عن عمرو بن واقد، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم من آمن بي وشهد أن ما جئت به الحق، فأقل ماله، وولده، وعجل قبضه إليك، ومن لم يؤمن بي، ويصدقني، ويعلم أن ما جئت به هو الحق من عندك، فأكثر ماله، وولده، وأطل عمره) .
الكلام على الرواية:
أولًا: الحديث في سنده عمرو بن واقد. قال البخاري في التاريخ الكبير (6/ 379) :"منكر الحديث".
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6/ 267) :"سمعت أبي يقول: قال أبو مسهر: عمرو بن واقد ليس بشيء".
وقال:"حدثني أبى قال: سمعت دحيمًا يقول: عمرو بن واقد ليس بشيء، وهو دون عفير، وأبى المهدي سعيد بن سنان".
وقال:"سألت أبي عن عمرو بن واقد؟ فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث".
وقال يعقوب بن سفيان في التاريخ (1/ 200) :"سألت عبدالرحمن بن إبراهيم عن عمرو بن واقد؟ فقال: لم يكن شيوخنا يحدثون عنه، وكأنه لم يشك أنه كان يكذب".
وقال النسائي في الضعفاء (186) :"متروك الحديث".
وقال ابن عدي في الكامل (6/ 210) :"ولعمرو بن واقد غير ما ذكرت من الحديث، وهذه الأحاديث التي أمليتها بإسناد واحد كلها غير محفوظة إلا من رواية عمرو بن واقد، عن يونس، عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وهو من الشاميين ممن يكتب حديثه مع ضعفه".
وقال ابن حبان في المجروحين (2/ 43) :"روى عنه هشام بن عمار، والشاميون، وكان ممن يقلب الأسانيد، ويروي المناكير عن المشاهير، فاستحق الترك، كان أبو مسهر سيء الرأي فيه، وكان أبو مسهر -اسمه عبدالأعلى بن مسهر الغساني- من أهل دمشق من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين الذي كان يقبل كلامه في التعديل والجرح في أهل بلده كما كان يقبل ذلك من أحمد ويحيى بالعراق".
وقال الحافظ في التقريب (748) :"متروك".
والحديث قد تفرد به عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة قاله ابن عدي، والبيهقي.
ثانيًا: رواية أبي إدريس الخولاني عن معاذ رضي الله عنه مختلف فيها. قال ابن عبدالبر في التمهيد (8/ 457) :"وفي هذا الحديث لقاء أبي إدريس هذا لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وسماعه منه، وهو إسناد صحيح، ولكن لقاء أبي إدريس هذا لمعاذ بن جبل رضي الله عنه مختلف فيه، فطائفة تنفيه، وطائفة لا تنكره من أجل هذا الحديث وغيره".
فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لم يسمع منه. روى ابن عيينة ومعمر عن الزهري قال:"قال أبو إدريس: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه، وأدركت عبادة ووعيت عنه، وفاتني معاذ رضي الله عنهم".
وزاد معمر في روايته:"ولكن حدثني عنه يزيد بن عميرة".
وقال أبو مسهر:"كان سعيد بن عبدالعزيز ينكر أن يكون أبو إدريس سمع من معاذ رضي الله عنه شيئًا".
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل (152) :"قلت لأبي: سمع أبو إدريس الخولاني من معاذ رضي الله عنه؟ قال: يختلفون فيه، فأما الذي عندي، فلم يسمع منه".
وقال ابن سميع:"أبو إدريس الخولاني عايذ الله بن عبدالله قاضي أهل دمشق وقاصها في خلافة عبدالملك، ولد عام حنين، ولم يدرك معاذًا رضي الله عنه".
وقال أبو زرعة الدمشقي (تاريخ دمشق 26/ 159) :"…فأما معاذ بن جبل رضي الله عنه لم يصح له منه سماع، وإذا تحدث أبو إدريس عن معاذ رضي الله عنه أسند ذلك إلى يزيد بن عميرة الزبيدي".
وذهب بعضهم إلى إمكان سماعه منه. قال محمد بن أسد الخشني:"سألت الوليد -يعني ابن مسلم-: هل لقي أبو إدريس الخولاني معاذ بن جبل رضي الله عنه؟ فقال: يظن أن أبا إدريس لقي معاذًا رضي الله عنه".
وقال البخاري في التاريخ (7/ 83) :"يمكن أن يكون سمع من معاذ رضي الله عنه".
وذهب بعضهم إلى جزم بسماعه منه. قال ابن عبدالبر في التمهيد (8/ 458) :"وروي أيضًا عن أبي إدريس من وجوه شتى غير طريق أبي حازم أنه لقي معاذ بن جبل رضي الله عنه، فلا شيء في هذا على مالك، ولا على أبي حازم عند أهل العلم بالحديث والاتساع في علمه، وإذ صح عن أبي إدريس أنه لقي معاذ بن جبل رضي الله عنه، فيحتمل ما حكاه ابن شهاب عنه من قوله (فاتني معاذ رضي الله عنه) يريد فوت لزوم وطول مجالسة، أو فاتني في حديث كذا، أو معنى كذا، والله أعلم".
وذهب بعضهم إلى أنه إنما سمع منه حديثًا واحدًا. قال أبو حاتم في العلل (5/ 345) في حديث (من أشبع جائعًا) :"هذا حديث كأنه موضوع، ولا أعلم روى أبو إدريس، عن معاذ رضي الله عنه إلا حديثًا واحدًا، وعمرو ضعيف الحديث".
والذي تميل إليه النفس عدم سماعه منه، لما يلي:
أولًا: أن الزهري نفى سماعه منه، وهو أحفظ من جميع من روى الحديث عن أبي إدريس الخولاني.
قال الدارقطني في العلل (6/ 71) :"والقول قول الزهري، لأنه أحفظ الجماعة".
ثانيًا: أن القصة رويت بعينها لأبي مسلم الخولاني من رواية عطاء بن أبي رباح، فلا يبعد أن يكون وقع لبعضهم تصحيف في كنية أبي مسلم، أو شبه له، أو أسقط من سنده بين معاذ بن جبل رضي الله عنه، وبين أبي إدريس الخولاني أبا مسلم الخولاني، على أن بعض من رواه عن أبي إدريس وقع في حديثه خلاف عنه كرواية شهر بن حوشب، ويونس بن ميسرة، وفي بعضهم في الطريق إليه مقال، وأنظفها إسنادًا هي رواية أبي حازم، والوليد بن عبدالرحمن.
قال أبو زرعة الدمشقي (تاريخ دمشق 26/ 156) :"أبو إدريس الخولاني يروي عن أبي مسلم الخولاني، ويروي عن عبدالرحمن بن غنم الأشعري، كلاهما قد يحدث بهذا الحديث عن معاذ رضي الله عنه، والزهري يحفظ عن أبي إدريس أنه لم يسمع من معاذ رضي الله عنه، والحديث حديثهما".
ثالثًا: أن أبا إدريس الخولاني يدخل بينه وبين معاذ بن جبل رضي الله عنه في الرواية يزيد بن عميرة الزبيدي.
قال أبو زرعة الدمشقي (تاريخ دمشق 26/ 154) :"أبو إدريس إذا حدث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه من حديث الثقات: الزهري، وربيعة بن يزيد أدخلا يزيد بن عميرة الزبيدي".
رابعًا: صغر سن أبي إدريس الخولاني يوم موت معاذ بن جبل رضي الله عنه.
قال أبو زرعة الدمشقي (تاريخ دمشق 26/ 154) :"فإذا كان مولد أبي إدريس عام حنين وهي في سنة ثمان من التاريخ، فكان أبو إدريس لوفاة معاذ بن جبل رضي الله عنه ابن عشر سنين أو أقل".
خامسًا: اختلاف أصحاب أبي إدريس الخولاني في لفظ الحديث، فرواه أبو حازم، ومحمد بن قيس، والوليد بن عبدالرحمن عنه بلفظ (وجبت محبتي للمتحابين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في) ، وبعض من رواه عن الوليد بن عبدالرحمن جعله من مسند عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
ورواه شريح بن عبيد، وشهر بن حوشب، وعطاء الخراساني، ويونس بن ميسرة، ويزيد بن أبي مريم فقالوا في لفظه: (إن الذين يتحابون في جلال الله في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله) .
وعلى كل حال فهذا يدل على أنه لم يسمع منه حديث عمرو بن واقد.
• حديث أم قيس رضي الله عنها:
روى الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الحسن مولى أم قيس، عن أم قيس رضي الله عنها أنها قالت: توفي ابني، فجزعت عليه، فقلت للذي يغسله: لا تغسل ابني بالماء البارد فتقتله، فانطلق عكّاشة بن محصن رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأَخبره بقولها، فتبسم، ثم قال: (ما قالت طال عمرها) قال: (فلا أَعلم امرأَة عمرت ما عمرت) .
أخرجه: أحمد في المسند عن حجاج بن محمد وهاشم بن القاسم واللفظ له (44/ 550) ، والبخاري في الأدب المفرد عن قتيبة (225) ، والنسائي في السنن عنه (303) ، والطبراني في المعجم الكبير من طريق عبدالله بن صالح (25/ 182) ، وقوام السنة في دلائل النبوة من طريق علي بن عاصم (1/ 188) ، والمزي في تهذيب الكمال من طريقه (35/ 379) ، كلهم عن الليث به.
الكلام على الرواية:
الحديث ضعيف الإسناد، فيه أبو الحسن مولى أم قيس، في عداد المجهولين، لم يرو عنه إلا يزيد بن أبي حبيب قاله مسلم في المنفردات والوحدان (208) .
وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (5/ 54) :"وأبو الحسن مولى أم قيس المذكور لا تعرف عدالته، ولا من هو من رواة الحديث، وهو لا يعرف بغير هذا، ولا ذكر إلا برواية يزيد بن أبي حبيب عنه".
وقال الذهبي في الميزان (4/ 515) :"لا يعرف إلا بهذا، ولا روى عنه سوى يزيد بن أبى حبيب".
• حديث أنس رضي الله عنه:
وله عن روايات:
الرواية الأولى: سنان بن ربيعة عنه رضي الله عنه:
أخرجه: البخاري في الأدب المفرد عن سعيد بن زيد (225) ، وابن سعد في الطبقات من طريق حماد بن زيد (7/ 19) ، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير من طريقه (2/ 981) ، وأبو يعلى في المسند كذلك (7/ 233) ، والخطيب في تلخيص المتشابه أيضًا (1/ 514) ، وابن الجوزي في المنتظم من طريق حماد بن زيد (6/ 303) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريقه (9/ 353) ، كلاهما عن سنان بن ربيعة، عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل علينا أهل البيت، فدخل يومًا فدعا لنا، فقالت أم سليم رضي الله عنها: خويدمك ألا تدعو له؟ قال: (اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر له) ، فدعا لي بثلاث، فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة.
وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ ابن سعد، وابن أبي خيثمة (وأنا أرجو الرابعة) ، وفيه (وقد دفنت من صلبي مائة إلا اثنين أو قال: مائة واثنين) ، وبنحوه ابن سعد، وابن الجوزي، وفي لفظ أبي يعلى (قد دفنت من صلبي أكثر من مائة…حتى قد استحييت من أهلي واشتقت لقاء ربي، وأما الرابعة يعني المغفرة) ، ومثله ابن عساكر، وفي رواية الخطيب (ولقد دفنت لصلبي مائة ونيفًا) .
الكلام على الرواية:
هذه الرواية في سندها سنان بن ربيعة. قال ابن معين في تاريخ الدوري (4/ 165) :"ليس هو بالقوي".
وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (4/ 251) :"شيخ مضطرب الحديث".
وقال النسائي في الضعفاء (125) :"ليس بالقوي".
وقال الحافظ في التقريب (417) :"صدوق، فيه لين".
وأيضًا قد خالف فيها الرواة عن أنس رضي الله عنه: النضر بن أنس، وإسحاق بن عبدالله، وهشام بن زيد، وثابت، وحميد، وعبدالله بن عبدالله بن أبي طلحة، وقتادة، وحفصة بنت سيرين، فكلهم لم يذكروها في حديثه.
الرواية الثانية: ثمامة بن عبدالله بن أنس:
أخرجه: الطبراني في الأوسط من طريق سعيد بن عثمان البصري (1/ 161) ، والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن مهران الهدادي (6/ 196) ، وابن عساكر في تاريخه من طريقه (9/ 354) ، كلاهما عن نوح بن قيس الطاحي، عن ثمامة، عن أنس رضي الله عنه قال: بعثتني أم سليم رضي الله عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عملت له وطبة، فطلبته فوجدته في بيت عبد له خياط، وقد عمل له طعامًا، فيه ذروة وقرع، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القرع، وينحي الذروة بإصبعه السبابة، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أم سليم صنعت لك وطبة، وهي تحب أن تأكل منها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها، فقالت له: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس أدع الله له، فقال: (اللهم أطل عمره، وأكثر ماله، وولده، واغفر له) .
وهذا لفظ الطبراني، واختصره البيهقي وابن عساكر وقالا فيه: (عن أنس رضي الله عنه قال: قالت أم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس خادمك ادع الله له قال:…) فذكره.
وتابع نوح بن قيس: عبدالله بن المثنى الأنصاري، فرواه عن ثمامة، عن أنس رضي الله عنه قال: دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره) .
أخرجه: ابن عساكر في تاريخه (9/ 353) من طريق محمد بن مخلد، حدثنا أبو بكر حفص بن عمر السيَّاري، حدثنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن المثنى الأنصاري، حدثني أبي، عن ثمامة به.
وتابعه على لفظه: يعقوب بن سفيان الفسوي، فرواه عن محمد بن عبدالله الأنصاري، عن حميد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن أم سليم رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها…وفيه (اللهم ارزقه المال، وبارك له فيه-أظنه قال:- وأطل عمره) .
أخرجه: يعقوب في المعرفة والتاريخ (2/ 532) ، قال: حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاري به.
وخالفهما: أبو حاتم الرازي، وابن سعد، فروياه عن الأنصاري، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم رضي الله عنها فأتته بتمر وسمن…وفيه (اللهم ارزقه مالًا، وولدًا، وبارك له .. ) .
أخرجه: ابن سعد في الطبقات (8/ 429) ، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي حاتم (6/ 195) ، وابن عساكر في تاريخه من طريقه (9/ 352) ، والذهبي في السير كذلك (3/ 399) ، كلاهما عن محمد بن عبدالله الأنصاري به.
وتابع الأنصاري: ابن أبي عدي، وعبيدة بن حميد، وخالد بن الحارث، وعبدالله بن بكر السهمي، فرووه عن حميد، عن أنس رضي الله عنه به وفيه (اللهم ارزقه مالًا، وولدًا، وبارك له فيه) .
أخرجه: أحمد في المسند عن ابن أبي عدي وعبيدة بن حميد واللفظ له (19/ 109، و 20/ 280) ، والبخاري في الصحيح من طريق خالد بن الحارث (2/ 699) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني من طريقه (4/ 235) ، والبزار في البحر كذلك (13/ 170) ، والنسائي في الكبرى أيضًا (7/ 365) ، وأبو يعلى في المسند من طريق عبدالله بن بكر السهمي (6/ 470) ، وابن حبان في الصحيح من طريقه وطريق خالد (3/ 269، و 16/ 154) ، وأبو نعيم في المعرفة من طريق السهمي (1/ 235) ، وابن عساكر في تاريخه من طريقه وطريق عبيدة وطريق ابن أبي عدي (9/ 350، و 351، و 352) ، والمزي في تهذيبه من طريقه (1/ 292) ، كلهم عن حميد به.
وفي لفظ لأحمد وابن أبي عاصم (وبارك له فيهم) .
الكلام على الراويات:
أولًا: رواية نوح بن قيس في سندها من الطريق الأول سعيد بن عثمان البصري. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (4/ 47) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وأورده ابن حبان في ثقاته (9/ 354) .
وفي الطريق الثانية سعيد بن مهران لم أجده، وأخشى أن يكون هو سعيد بن عثمان تصحف على راويه.
ثانيًا: الصواب عن محمد بن عبدالله الأنصاري هي رواية ابن سعد وأبي حاتم، وأما رواية السياري فخطأ، والسياري لم أجد من وثقه إلا ابن حبان في ثقاته (8/ 201) .
ثالثًا: رواية يعقوب بن سفيان فيها شك، ورواية من جزم أولى بالقبول من رواية من شك.
الرواية الثالثة: ثابت بن أسلم:
أخرجه: المخلص في المخلصيات من طريق أحمد بن منصور بن راشد واللفظ له (3/ 338) ، وقوام السنة في سير السلف الصالحين من طريق محمد بن علي بن الحسن بن شقيق (2/ 277) ، وابن عساكر في تاريخه من طريقه وطريق أحمد بن منصور وطريق حمزة بن العباس (9/ 348، و 349) ، كلهم عن علي بن الحسن بن شقيق، عن الحسين بن واقد، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل حياته) .
وخالف ابن واقد: سليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة، وجعفر بن سليمان الضبعي، فرووه عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نحن إلا أنا وأمي وخالتي أم حرام رضي الله عنهم فقال: (قوموا أصلي بكم) ، وفيه… (اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيه) .
أخرجه: الطيالسي عن سليمان واللفظ له (3/ 514) ، وأحمد في المسند من طريق حماد (20/ 315، و 21/ 215) ، وعبد بن حميد في المسند من طريق جعفر بن سليمان (المنتخب 375) ، والبخاري في الأدب من طريق سليمان (43) ، ومسلم في الصحيح (7/ 159) ، وأبو يعلى في المسند (7/ 73) ، والسراج في حديثه (2/ 109) ، وأبو عوانة في المسند (1/ 411) ، وأبو نعيم في المسند المستخرج (2/ 255) ، والبيهقي في السنن (3/ 53) ، وابن عساكر في تاريخه كلهم من طريقه (9/ 350) ، كلهم عن ثابت به.
وفي لفظ عبد بن حميد (وأدخله الجنة) .
الكلام على الروايات:
أولًا: المحفوظ عن ثابت هو لفظ الجماعة، وأما لفظ الحسين بن واقد بزيادة (وأطل حياته) فشاذة.
ثانيًا: زيادة (وأدخله الجنة) في لفظ ثابت شاذة، لم يقلها إلا جعفر بن سليمان الضبعي.
تتمة:
بوب الإمام البخاري في صحيحه (8/ 75) فقال: (باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله) ، ثم أورد تحته حديث من طريق شعبة، عن قتادة، عن أَنس رضي الله عنه قال: قالت أُمي: يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خادمك أَنس ادع اللَّه له، قال: (اللهم أَكثر ماله وولده وبارك له فيما أَعطيته) ، وليس فيه الدعاء بطول العمر.
قال الحافظ في الفتح (11/ 144) :"وليس في شيء منها ذكر العمر".