بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فهذا بحث في تخريج حديث (تسموا بأسماء الأنبياء) ، فأقول مستعينًا بالله.
• الحديث الأول:
روى محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عز وجل: عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة) الحديث.
أخرجه: أحمد في المسند واللفظ له (31/ 377) ، والبخاري في الأدب المفرد من طريق أحمد (283) ، وفي الكنى عن أحمد (8/ 78) ، وأبو داود في السنن عن هارون بن عبدالله (5/ 237) ، والنسائي في السنن عن محمد بن رافع (6/ 151) ، وأبو يعلى في المسند عن هارون بن عبدالله (13/ 111) ، والبغوي في معجم الصحابة عنه (2/ 331) ، والدولابي في الكنى والأسماء من طريقه (1/ 343) ، والطبراني في المعجم الكبير من طريق أحمد (22/ 380) ، وأبو نعيم في معجم الصحابة من طريق أحمد وطريق هارون بن عبدالله (6/ 3042، و 3043) ، والبيهقي في السنن من طريق أحمد (9/ 306) ، وابن عبدالبر في التمهيد من طريق محمد بن رافع (5/ 376، و 10/ 347) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريقه (56/ 91) ، كلهم عن هشام بن سعيد الطالقاني، عن محمد بن المهاجر الأنصاري به.
ولم يذكر النسائي والدولابي وابن عبدالبر في روايتهم الجملة الأخيرة من الحديث، ولم يقل البغوي في روايته: (كانت له صحبة) ، ولم يذكر الدولابي أوله.
الروايات المخالفة لرواية هشام بن سعيد:
وخالفه: يحيى بن صالح الوحاظي، فرواه عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سموا أولادكم أسماء الأنبياء، وأحسن الأسماء: عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها: حرب ومرة) .
أخرجه: ابن قتيبة في غريب الحديث من طريق عمران بن موسى (1/ 80) ، والدولابي في الكنى والأسماء عن إبراهيم بن يعقوب السعدي واللفظ له (1/ 177) ، وقوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني في الترغيب والترهيب من طريق عمران (1/ 261) كلاهما عن يحيى بن صالح الوحاظي به.
وزاد ابن قتيبة وقوام السنة في روايتهما (عن أبي وهب الكلاعي) .
وتابع الوحاظي: أبو المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج، فرواه عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الكلاعي به.
أخرجه: أحمد في المسند (31/ 379) ، وأبو حاتم الرازي في العلل عن ابن المصفى (6/ 201) ، كلاهما عن أبي المغيرة به.
وفي رواية أبي حاتم (عن عقيل بن سعيد) .
• الروايات المخالفة لرواية عقيل بن شبيب:
وخالفه: يحيى بن حمزة، فرواه عن أبي وهب، عن سليمان بن موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم…
أخرجه: ابن أبي حاتم في العلل (6/ 201) قال: وحدثنا به أبي مرة أخرى، قال: حدثنا هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة به.
وخالفه أيضًا: إسماعيل بن عياش، فرواه عن أبي وهب، عن مكحول قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
ذكره ابن أبي حاتم في المراسيل (118) .
• الكلام على الروايات:
أولًا: الحديث في سنده عقيل بن شبيب. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6،219) :"عقيل بن شبيب: روى عن أبى وهب الكَلاعي الجشمي، وأبو وهب عبيدالله بن عبيد، روى عنه محمد بن مهاجر، سمعت أبى يقول ذلك".
وقال أبو حاتم في العلل (6/ 202) :"مجهول لا أعرفه".
وذكره ابن حبان في الثقات (5/ 272) فقال:"عقيل بن شبيب: يروى عن أبى وهب الجيشاني، وله صحبة".
وذكره في موضع أخر فقال (7/ 294) :"عقيل بن شبيب: يروى عن أبى وهب الجشمي، روى عنه محمد بن مهاجر الدمشقي".
وقال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (4/ 380) :"وعقيل المذكور يحتاج في تعديل نفسه إلى كفيل، فهو غير معروف، ولا مذكور بأكثر من رواية محمد بن مهاجر عنه".
وقال الذهبي في الميزان (5/ 111) :"عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي بحديث (تسموا بأسماء الأنبياء) لا يعرف هو ولا الصحابي إلا بهذا الحديث، تفرد به: محمد بن مهاجر عنه".
وقال الحافظ في التقريب (686) :"عقيل بن شبيب، وقيل: سعيد، مجهول".
وقد تفرد به، وحاله لا تحتمل ذلك.
قال البغوي في معجم الصحابة (2/ 332) :"ولا أعلم روى عن أبي وهب الجيشاني غير هذين الحديثين، ولا أعلم حدث بهما إلا من هذا الوجه".
ثانيًا: قول هشام بن سعيد، عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب: (عن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة) خطأ، لما يلي:
1/ خالفه في ذلك يحيى بن صالح الوحاظي، وعبدالقدوس بن الحجاج، فلم يذكره بوصف الصحبة.
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (5/ 326) :"عبيدالله بن عبيد أبو وهب الكلاعي الجشمي، وكان من أصحاب مكحول، روى أحمد بن حنبل، والفضل الأعرج، عن هشام بن سعيد الطالقاني، عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبى وهب الجشمي وكانت له صحبة، وهو وهم، سمعت أبى يقول ذلك".
2/ أن أبا وهب الجشمي هو عبيدالله بن عبيد الكلاعي، وهكذا نسبه الوحاظي وعبدالقدوس في روايتهما.
قال أبو حاتم في المراسيل (118) :"أبو هب الجشمي هذا ليست له صحبة، هو أبو وهب الذي يروي عن مكحول، اسمه: عبيدالله بن عبيد الكلاعي الشامي، روى عنه يحيى بن حمزة، ومحمد بن مهاجر، وإسماعيل بن عياش، وصدقة بن خالد، روى هذا الحديث إسماعيل بن عياش، عن أبي وهب، عن مكحول قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله".
وقال ابن أبي حاتم في العلل (6/ 199) :"سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن حنبل، وفضل الأعرج، عن هشام بن سعيد أبي أحمد الطالقاني، عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سموا أولادكم أسماء الأنبياء، وأحسن الأسماء: عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها: حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة، وارتبطوا الخيل، وامسحوا على نواصيها، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار) ؟ قال أبي: سمعت هذا الحديث من فضل الأعرج، وفاتني من أحمد، وأنكرته في نفسي، وكان يقع في قلبي أنه أبو وهب الكلاعي صاحب مكحول، وكان أصحابنا يستغربون، فلا يمكنني أن أقول شيئًا لما رواه أحمد، ثم قدمت حمص فإذا قد حدثنا ابن المصفى، عن أبي المغيرة، قال: حدثني محمد بن مهاجر، قال: حدثني عقيل بن سعيد، عن أبي وهب الكلاعي، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم…، وأخبرنا أبو محمد قال: وحدثنا به أبي مرة، أخبرني قال: حدثنا هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن أبي وهب، عن سليمان بن موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم…، قال أبي: فعلمت أن ذلك باطل، وعلمت أن إنكاري كان صحيحًا، وأبو وهب الكلاعي هو صاحب مكحول، الذي يروى عن مكحول، واسمه: عبيدالله بن عبيد، وهو دون التابعين، يروى عن التابعين، وضربه مثل: الأوزاعي ونحوه، فبقيت متعجبًا من أحمد بن حنبل كيف خفي عليه، فاني أنكرته حين سمعت به قبل أن أقف عليه".
3/ أنه ورد في رواية البغوي عن هارون بن عبدالله بسنده عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجيشاني وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها) .
فهذا يدل على اضطراب عقيل بن شبيب في اسم شيخه، ولذا ذكره ابن حبان في ثقاته في موضعين، مرة قال فيه: (الجشمي) ، وفي الموضع الأخر قال: (الجيشاني) كما سبق.
وقد اعترض على تعليل أبي حاتم كلًا من ابن عساكر وابن القطان الفاسي.
فقال ابن عساكر في تاريخه (38/ 43) بعد نقله كلام ابن أبي حاتم السابق من الجرح والتعديل:"وهذا وهم، فإن أبا وهب الجشمي غير أبي وهب الكلاعي صاحب الترجمة، هذا كلاعي من تابعي التابعين، وذلك جشمي له صحبة".
وقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (4/ 381) :"وقد اعترت أبا محمد بن أبي حاتم فيه غفلة؛ وذلك أنه لما ذكر عقيل بن شبيب المذكور، قال:"روى عن أبي وهب الكلاعي الجشمي، قال: وأبو وهب هو عبيدالله بن عبيد، روى عنه محمد بن مهاجر"هذا نص ما ذكر به عقيل بن شبيب، فخلط أبا وهب الكلاعي، بأبي وهب الجشمي، وجعلهما واحدًا، وذكر أيضًا في باب:"عبيدالله بن عبيد، أبا وهب الكلاعي الجشمي، وكان من أصحاب مكحول، روى أحمد بن حنبل، والفضل الأعرج .. عن هشام بن سعيد الطالقاني، عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة-، وهو وهم، سمعت أبي يقول ذلك". هذا منتهى قوله، فانظر هذا التخليط كيف عمله، ثم نبه على أنه وهم، وإنما هو عمل يده، وأبوه منه بريء، وذلك أن أبا وهب الكلاعي، رجل اسمه: عبيدالله بن عبيد، روى عنه إسماعيل بن عياش، ويحيى بن حمزة، وطبقتهما من الشاميين".
والحق أن كلام أبي حاتم في غاية المتانة، وقد بين علة هذا الحديث بيانًا شافيًا من خلال الروايات في الحديث، ومن خلال الرواة عن أبي وهب هذا، وأنه هو عبيدالله بن عبيد الكلاعي، وأن الراوي عنه أخطأ عليه في ذلك، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (7/ 375) :"وادعى أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه في العلل أن هذا الجشمي هو الكلاعي التابعي المعروف، وأن بعض الرواة وهم في قوله (الجشمي) وفي قوله (وكانت له صحبة) ، وزعم ابن القطان الفاسي أن ابن أبي حاتم وهم في خلطه ترجمة الجشمي بالكلاعي، وكنت أظن أنه كما قال حتى راجعت كتاب العلل فوجدته ذكره في كتاب العين -هكذا في المطبوع- ونقل عن أبيه أنه نقب عن هذا الحديث، حتى ظهر له أنه عن أبي وهب الكلاعي، وأنه مرسل، وأن بعض الرواة وهم في نسبته جشميًا، وفي قوله (إن له صحبة) وبين ذلك بيانًا شافيًا". وانظر: تهذيب التهذيب (12/ 247) .
وقال في النكت (2/ 790) :"ووقع لابن القطان في هذا الحديث تعقب على ابن أبي حاتم في ترجمة أبي وهب رددناه على ابن القطان في مختصر التهذيب".
أقول: أما الوهم الثاني فصحيح، وأما الأول فإن ابن أبي حاتم قال في المراسيل (117) :"عبيدالله بن عبيد الكلاعي أبو وهب الجشمي".
وقال في الجرح والتعديل (5/ 326) :"عبيدالله بن عبيد أبو وهب الكلاعي الجشمي…سمعت أبي يقول ذلك".
وقال في (6/ 219) :"عقيل بن شبيب، روى عن أبي وهب الكلاعي الجشمي…سمعت أبي يقول ذلك".
تنبيه: وقوله (حتى راجعت كتاب العلل فوجدته ذكره في كتاب العين) ، تصحيف، ولعل صوابه حتى راجعت كتاب العلل وكتاب المراسيل فوجدته ذكره في حرف العين.
ثالثًا: أنه على فرض صحة رواية هشام بن سعيد، فقد قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (4/ 380) :"ولا تعلم لأبي وهب الصحبة إلا بزعم عقيل بن شبيب هذا، ولا يعرف روى عنه غيره، وعقيل المذكور يحتاج في تعديل نفسه إلى كفيل…وكل من رأيته ذكر أبا وهب في الصحابة فإنما ذكره بهذا الذي قال فيه عقيل هذا".
وقد عكس القضية الهيثمي في المجمع فجانب الصواب حيث قال (5/ 262) :"قوله (أبي وهب الكلاعي) وهم، لأن عقيل بن شبيب لم يرو إلا عن أبي وهب الجشمي".
تنبيه: وقع في الجامع لما في المصنفات الجوامع من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأحلام للرعيني (6/ 174) :"أبو وهب الجشمي: روى عقيل بن شبيب، عن أبيه، عن جده أن أبا وهب الجيشاني سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إنا نتخذ شرابًا من هذا المزر…) ."
هكذا ورد فيه، وهو تصحيف، صوابه عمرو بن شعيب، فإن عقيل بن شبيب لم يرو عنه إلا محمد بن مهاجر، ولا روى إلا عن أبي وهب الجشمي كما سبق من قول البغوي وابن القطان الفاسي، وانظر: تهذيب الكمال للمزي (20/ 235، و 34/ 394) .
ووقع في الاستيعاب لابن عبدالبر (4/ 1775) :"وروى الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، قال: (قدم أبو وهب الجيشاني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه فسألوه عن الشراب…) وذكر الحديث، ذكره سنيد عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، لا أدري أهو الجشمي أم لا؟ وقال فيه: الجيشاني كما ترى، والصواب عندهم الجشمي، وهو الذي له صحبة".
والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (5/ 244) من طريق ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن أبي وهب الجيشاني به.
رابعًا: الحديث وقع فيه اختلف آخر من الرواة على أبي وهب الكَلاعي، فرواه هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة عنه، عن سليمان بن موسى، ورواه إسماعيل بن عياش عنه، عن مكحول بلاغًا، فإن كان حفظه هشام بن عمار فيكون الاختلاف فيه من أبي وهب الكلاعي، وإلا فالمحفوظ عنه هي رواية إسماعيل بن عياش، والله أعلم.
تنبيه: أخرج مسلم في الصحيح (2132) من طريق نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أَحب أَسمائكم إلى اللَّه: عبداللَّه وعبدالرحمن) .
• الحديث الثاني:
قال البخاري في التاريخ الكبير (5/ 35) :"عبدالله بن جراد له صحبه، قال لي أحمد بن الحارث: حدثنا أبو قتادة السامي -ليس بالحراني مات سنة أربع وستين ومائة-، قال: ح عبدالله بن جراد قال: صحبني رجل من مؤتة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لي مولود فما أخير الأسماء؟ قال: (إن خير أسمائكم الحارث وهمام، ونعم الاسم عبدالله وعبدالرحمن، وسموا بأسماء الأنبياء، ولا تسموا بأسماء الملائكة، قال: وباسمك؟ قال: وباسمي، ولا تكنوا بكنيتي) ."
وأخرجه من طريق البخاري: البيهقي في الشعب (11/ 118) ، وابن عساكر في تاريخه (27/ 242) .
وهذا إسناد واه، فيه: أحمد بن الحارث الغساني شيخ البخاري. قال فيه البخاري (2/ 2) :"فيه بعض النظر".
وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (2/ 47) :"متروك الحديث".
وفيه: أبو قتادة الشامي. قال عنه ابن معين كما في رواية الدوري (4/ 383) :"ليس بشيء".
وقال البخاري بعد أن أسند هذا الحديث:"في إسناده نظر".
• فقه الباب:
وفيه مسائل:
الأولى: قال ابن القيم في تحفة المودود (216) :"واختلفوا في كراهية التسمي بأسماء الأنبياء على قولين: أحدهما: أنه لا يكره، وهذا قول الأكثرين، وهو الصواب، والثاني: يكره".
قال النووي في شرح صحيح مسلم (14/ 117) :"وأجمع عليه العلماء إلا ما قدمناه عن عمر رضي الله عنه وسبق تأويله، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم، وكان في أصحابه خلائق مسمون بأسماء الأنبياء".
الثاني: ممن روي عنه كراهية التسمي بأسماء الأنبياء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى الطبري في تهذيب الآثار من طريق هشام الدستوائي (الجزء المفقود 404) ، وحنبل في جزءه من طريق همام بن يحيى (76) ، كلاهما عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: (إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب: لا تسموا باسم نبي، فكان رجل يسمى هارون فغير اسمه) هذا لفظ حنبل، وفي لفظ الطبري (كتب عمر إلى أهل الكوفة: ألاّ يسموا أحدًا باسم نبي) .
وهذا منقطع سالم لم يدرك عمر رضي الله عنه.
قال ابن أبي حاتم في المراسيل (80) :"قال أبو زرعة: سالم بن أبي الجعد عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم مرسل". وانظر: تهذيب الكمال للمزي (3/ 92) .
وأخرج ابن سعد في الطبقات (5/ 51) ، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (34/ 274) ، قال ابن سعد: أخبرنا إسماعيل بن عبدالله بن أبي أويس المدني، قال حدثني أبي، عن أبي بكر بن عثمان من آل يربوع قال: (دخل عبدالرحمن بن سعيد بن زيد بن عمرو العدوي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان اسمه: موسى، فسماه عبدالرحمن فثبت اسمه إلى اليوم، وذلك حين أراد عمر رضي الله عنه أن يغير اسم من تسمى بأسماء الأنبياء) .
وأبو بكر بن عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (9/ 344) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ثم إنه لا يعرف له سماع من عمر رضي الله عنه.
ولعل قصد الفاروق رضي الله عنه إن ثبت عنه النهي -فإن الطرق التي وقفت عليها عنه لا تسلم من مقال-، تعظيم تلك الأسماء لئلا تمتهن وتبتذل، ويساء استعمالها.
قال البغوي في شرح السنة (12/ 335) :"وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يكره أن يسمى باسم الأنبياء والملائكة، قيل: إنما كره ذلك أن يلعن أو يشتم باسمه، فيقال: فعل الله بفلان كذا، أو يصغر اسم واحد منهم".
وقال ابن بطال (الفتح 10/ 579) :"وإنما كره عمر رضي الله عنه ذلك لئلا يسب أحد المسمى بذلك، فأراد تعظيم الاسم لئلا يبتذل في ذلك، وهو قصد حسن".
وقال ابن القيم في تحفة المودود (218) :"وصاحب هذا القول قصد صيانة أسمائهم عن الابتذال، وما يعرض لها من سوء الخطاب عند الغضب وغيره".
ومن هنا قال حميد بن زنجويه (شرح السنة 12/ 335) :"لا بأس بأسماء الأنبياء، ويستحب أن يسمى بها، غير أنه يكره أن يلعن أحد اسمه اسم نبي، أو يدعى عليه وهو غائب، فإن كان مواجهه فقال: فعل الله بك وفعل ولم يسمه كان أيسر".
وقد روي عنه رضي الله عنه الرجوع عن ذلك، فروى إسحاق عن وكيع (المطالب العالية 7/ 298) ، وابن سعد في الطبقات عن عثمان بن عمر وعبيدالله بن موسى (5/ 69) ، وابن شبة في تاريخ المدينة عن عثمان بن عمر (1/ 399) ، وابن عساكر في تاريخه من طريق عثمان وطريق عبيدالله (55/ 11) ، كلهم عن أسامة بن زيد الليثي، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع كل غلام اسمه اسم نبي فأدخلهم دارًا، وأراد أن يغير أسماءهم، فشهد آباؤهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماهم، وكان محمد بن عمرو بن حزم فيهم) .
وروى أحمد في المسند من طريق أبي عوانة (24/ 427) ، وابن سعد في الطبقات من طريقه (5/ 50) ، وابن شبة في تاريخ المدينة من طريق شيبان بن عبدالرحمن (1/ 399) ، والطبراني في المعجم الكبير من طريق أبي عوانة (19/ 242) ، وابن منده في فتح الباب في الكنى والألقاب من طريقه (22) ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة كذلك (1/ 167) ، وابن عساكر في تاريخه أيضًا (34/ 216) ، كلهم عن هلال بن أبي حميد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: (نظر عمر رضي الله عنه إلى أبي عبدالحميد -أو ابن عبدالحميد شك أبو عوانة- وكان اسمه محمدًا ورجل يقول له: يا محمد فعل الله بك وفعل وفعل، قال: وجعل يسبه، قال: فقال أمير المؤمنين رضي الله عنه عند ذلك: يا ابن زيد ادن مني قال: ألا أرى محمدًا يسب بك، ولا والله لا تدعى محمدًا ما دمت حيًا، فسماه عبدالرحمن، ثم أرسل إلى بني طلحة ليغير أهلهم أسماءهم وهم يومئذ سبعة وسيدهم وأكبرهم محمد، قال: فقال محمد بن طلحة: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، فوالله إن سماني محمدًا -يعني- إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: قوموا لا سبيل لي إلى شي سماه محمد صلى الله عليه وسلم) ، واللفظ لأحمد، ولم يذكر ابن سعد موضع الشاهد منه، وليس فيه الشك، وفي رواية ابن شبة (إلى عبدالحميد) ، وفي رواية الطبراني وابن منده وأبي نعيم (إلى ابن عبدالحميد) ، وفي رواية لابن عساكر (نظر عمر إلى عبدالرحمن بن عبدالحميد يعني عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب والد عبدالحميد بن عبدالرحمن) .
وهذا منقطع أيضًا، عبدالرحمن بن أبي ليلى لم يلق عمر رضي الله عنه. قال الدوري في تاريخه (3/ 97) :"سئل يحيى عن عبدالرحمن بن أبى ليلى عن عمر رضي الله عنه؟ فقال: لم يره، فقلت له: الحديث الذي يروى (كنا مع عمر رضي الله عنه نتراءى الهلال) فقال: ليس بشيء".
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل (125) :"قلت لأبي: يصح لعبدالرحمن بن أبي ليلى سماع من عمر رضي الله عنه؟ قال: لا".
قال:"ويروى عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه رأى عمر رضي الله عنه، وبعض أهل العلم يدخل بينه وبين عمر: البراء بن عازب، وبعضهم يدخل بينه وبين عمر: كعب بن عجرة رضي الله عنهم".
قال الحافظ في الفتح عقب هذا الحديث (10/ 573) :"فهذا يدل على رجوعه عن ذلك".
الثالث: تسمية النبي عليه السلام ابنه إبراهيم باسم أبيه إبراهيم عليه السلام. فقد أخرج مسلم في الصحيح (2315) من طريق ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم عليه السلام) .
وقال الإمام البخاري في الصحيح (6/ 2289) :"باب: من سمى بأَسماء الأَنبياء، وقال أَنس رضي الله عنه: قبّل النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم يعني ابنه".
تم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف الأنبياء والمرسلين.