الصفحة 8 من 14

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين.

فهذا بحث في أقوى الأدلة الدالة على زيادة لفظة (اللهم) عند التلبية في الدخول في النسك، وأن الصواب أن يقول: المعتمر أو الحاج إذا أراد الدخول في النسك: (لبيك عمرة) أو (لبيك حجًا) ، بدون زيادة (اللهم) فيهما، وذلك لعدم ثبوتها، وإليك الحديث والكلام عليه.

فأقول مستعينًا بالله:

روى جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: (قَدِمْنَا مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً) .

أخرجه: البخاري في صحيحه برقم (1495) ، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، حدثنا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ قال: سمعت مُجَاهِدًا يقول: حدثنا جَابِرُ بن عبداللَّهِ رضي الله عنهما به.

وخالف البخاري في لفظه: معاذ بن معاذ، وأحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي، وزياد بن الخليل، فرووه عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: (قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا فجعلناها عمرة) .

أخرجه: أبو عوانة في الصحيح عن أحمد بن محمد المقدمي (2/ 240) ، وأبو نعيم في المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم من طريق معاذ بن معاذ (3/ 316) ، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق زياد (5/ 40) ، كلهم عن مسدد به.

وتابعهما: سليمان بن حرب، وعفان بن مسلم، ويونس بن محمد، ومحمد بن الفضل، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ومحمد بن عبيد بن حساب، وخلف بن هشام، وسليمان بن داود، وقتيبة بن سعيد، وعبيدالله بن عمر القواريري، ويحي بن بحر الكرماني، كلهم عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن مجاهد، عن جابر رضي الله عنه به.

أخرجه: أحمد في المسند عن يونس بن محمد وعن عفان بن مسلم (23/ 131، و 195) ، ومسلم في صحيحه عن خلف بن هشام وسليمان بن داود وقتيبة (2/ 886) ، وأبو عوانة في صحيحه من طريق عفان بن مسلم وطريق سليمان بن حرب وطريق محمد بن الفضل وطريق محمد بن أبي بكر المقدمي (2/ 334، و 430) ، وأبو نعيم في المسند المستخرج من طريق قتيبة بن سعيد والمقدمي ومحمد بن عبيد بن حساب وطريق القواريري (3/ 316) ، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق سليمان بن داود (5/ 40) ، وابن ماكولا في التقييد من طريق يحيى بن بحر (1/ 337) ، كلهم عن حماد بن زيد به.

بلفظ (قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة) .

وتابع حماد بن زيد على لفظه: معمر بن راشد، ووهب بن جرير، فروياه عن أيوب، عن مجاهد، قال: سمعت جابرًا رضي الله عنه يقول: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجته نقول: لبيك بالحج، فلما قدمنا مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة) .

أخرجه: أبو عوانة في صحيحه من طريق معمر وطريق وهب بن جرير (2/ 334، و 430) ، كلاهما عن أيوب السختياني به.

• الكلام على الروايات:

المحفوظ عن مسدد ما رواه الجماعة عنه بلفظ (قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا فجعلناها عمرة) ، وتابعه الرواة عن حماد بن زيد، وكذلك الرواة عن أيوب، ولم يرو عن جابر رضي الله عنه أحد علمته باللفظ الذي رواه البخاري في صحيحه فيما وقفت عليه ممن رواه عن جابر رضي الله عنه، وهم: عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وأبو سفيان طلحة بن نافع، ومحمد بن علي بن الحسين، وأبو نضرة منذر بن مالك بن قطعة، وأما رواية البخاري فيمكن الجواب عنها من وجوه:

الوجه الأول: أن البخاري اختصر الحديث.

قال الحافظ في الفتح:"قوله (باب من لبى بالحج وسماه) أورد فيه حديث جابر رضي الله عنه مختصرًا".

الوجه الثاني: أن البخاري كتب الحديث من حفظه ولم يراع لفظه.

قال الحافظ في الفتح (7/ 409) :"…أو أن البخاري كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه في تجويز ذلك، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرًا".

الوجه الثالث: أن يكون قوله (لبيك اللهم) من زيادات بعض الرواة في الصحيح، ولعله سبق قلمه به، ويؤيده أنه في رواية أبي ذر من صحيح البخاري (1/ 426) بلفظ (قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج) .

قال القسطلاني في شرحه (3/ 136) :"سقط لأبوي ذر والوقت لفظتا لبيك واللهم".

الوجه الرابع: أن يكون من تصرفات النساخ، فإن بعضهم كان يقدم ويؤخر في الأبواب والتراجم من عنده، ويسد بياضات الإمام البخاري، ويغير الألفاظ.

قال الحافظ في الفتح (7/ 429) :"والذي يظهر أن التقديم والتأخير في ذلك من النساخ".

وقال (8/ 111) :"…هكذا أورد المصنف هذه الترجمة بعد حجة الوداع، وهو خطأ، وما أظن ذلك إلا من النساخ".

وقال (8/ 251) :"وهذه التفاسير ليست لهذه الآية، وكأنه من تصرفات النساخ".

وقال في (8/ 264) :"قوله (باب قوله فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم) الآية، كذا لأبي ذر، ولغيره (فعسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوًا غفورًا) ، كذا وقع عند أبي نعيم في المستخرج، وهو خطأ من النساخ".

وقال (9/ 518) :"…ويحسن التمسك به في أن التغيير فيما عداه من النساخ".

وقال (12/ 162) :"…وأنه إما أن يكون أخلى بياضًا في المسودة فسده النساخ بعده".

وهذا والذي قبله أرجحها عندي.

• الخلاصة:

أن الصواب في لفظ مسدد هو ما رواه الجماعة عنه بلفظ (قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول: لبيك بالحج، فأمرنا فجعلناها عمرة) ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت