المسألة الأولى: في أدلة القائلين بهذه القاعدة ومناقشتها .
إن خبر الواحد الذي صح سنده إذا ورد موجبًا للعمل فيما يعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به لا يقبل ، عند عيسى بن أبان وأبي زيد الدبوسي والسرخسي والبزدوي وعبدالعزيز البخاري وغيرهم ممن تبعهم ممن ينتسب لمذهب أبي حنيفة رحمه الله محتجين على ما ادعوه بما يأتي:-
قالوا ( [164] ) :(إن صاحب الشرع كان مأمورًا بأن يُبَيِّن للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم .
فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم . وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة ، فحين لم يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ ، ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم فلو كان ثابتًا في المتقدمين لاشتهر أيضًا وما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته ) انتهى .
والجواب عن هذا الدليل بأن يقال ( [165] ) :( إنما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال ، فأما إذا لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس في ذلك تكليف ما لا طريق إليه ، ولو وجب ما ذكروه فيما تعم به البلوى لوجب فيما لا تعم به البلوى أيضًا ؛ لأنه وإن كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس ، فيجب في حكمه إشاعة حكمه خوفًا من أن لا يصل إلى من يُبتلى به فيضيع فرض عليه .
جواب آخر: أن الحكم وإن عم به البلوى ، فليس هو بشيء وقعت واقعته في الحال لكلّ أحد في نفسه وذاته ، بل غاية ما في الباب: توهم وقوعه . وإذا لم يكن إلا محض التوهم ، فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم ؛ لأن حكمه وإن نقله الواحد والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود . فيكفي ذلك ؛ لأنه إذا أمكنه الوصول فليس يضيع الحكم ).