وقد جاء ما يعارض الأحاديث السابقة مثل قوله عليه السلام فيما رواه الحاكم ( [186] ) عن ابن عباس قال: قال رسول الله r: ( ليس عليكم في غُسْلِ ميتكم غُسْلٌ إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)
قال الحاكم ( [187] ) : ( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه .
وفيه رفض لحديث مختلف فيه على محمد بن عمرو بأسانيد ( من غسل ميتًا فليغتسل ) ).
قلت: ولهذا اختلفت طرائق العلماء في العمل بهذه الأحاديث ، فبعضهم رفضها لضعفها عنده ، وبعضهم قال: إن الغسل من تغسيل الميت منسوخ كما ذهب إليه أبوداود ( [188] ) ، وأيده الحافظ ابن حجر في كتابه تلخيص الحبير ( [189] ) محتجًا بالحديث الأخير .
وقال: وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث والله أعلم .
وبعضهم جمع بين الأحاديث فقال: يحمل الأمر في الغسل على الندب أو المراد بالغسل غسل الأيدي كما صرح به في الحديث الأخير ، يؤيده ما روي عن ابن عمر قال ( [190] ) : كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل .
قال البيهقي ( [191] ) :( أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد ثنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا عبد الكريم بن الهيثم ثنا أبو اليمان أخبرني شعيب بن أبي حمزة قال: وقال نافع:كنا نغسل الميت فيتوضأ بعضنا ويغتسل بعض ثم يعود فنكفنه ثم نحنطه ونصلي عليه ولا نعيد الوضوء .
وبإسناده قال: أخبرني شعيب قال: قال نافع: قد رأيت عبد الله بن عمر حنط سعيد بن زيد وحمله فيمن حمله ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ ).
قال الخطابي ( [192] ) : ( لا أعلم أحدًا من الفقهاء يوجب الاغتسال على من غسل الميت ولا الوضوء من حمله ، ويشبه أن يكون الأمر في ذلك على الاستحباب ) .