فما معنى هذه الجملة: (فليس منَّا) ؟؟ ليس مسلما؟! لا، لا يجوز إخراج المسلم من دينه، والحكم عليه بالردَّة لمجرَّد أنَّه خالف حُكمًا شرعيًا، لمجرَّد أنه لا يحترم الكبير!، لمجرَّد أنه لا يرحم الصغير، نحكم عليه إنه ارتد عن دينه! لا، [ ... ] فمعنى: (ليس منَّا) أي ليس في كمالنا الذي نحن نحبه للمسلمين جميعا إخواننا.
وعلى العكس من هذه العبارة تأتي عبارة أخرى: (فهو منهم) ، مثلا قول الله -تبارك وتعالى- في حق الكافرين: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... } [المائدة:51] كمان هذه تُفسَّر من بعض النَّاس -خاصَّة اليوم جماعة التكفير في مصر وفي غيرها - (فهو منهم) أي فهو كافر، أهو كذلك؟؟ الجواب لا!، لابد إذا أردنا أن نحكم بظاهر هذا الخبر (ليس منَّا) أو (فهو منهم) -جملة خبرية- إذا أردنا أن نحكم بظاهر هذه الجملة أو تلك فيجب أن نلحظ معنًا آخر، هذا المعنى الآخر له علاقة بالقلب.
المعنى الأوَّل هو الفعل: (لايرحم الصغير) فعلًا لا يرحم، (لا يوقِّر الكبير) فعلًا لا يوقِّر الكبير، (فهو منهم) : من يتولَّهم أي هو من الكفَّار، (يتولَّهم) : ماذا يفعل؟؟ يواليهم ويناصرهم ويخدمهم و و إلى آخره، هذه كلها أعمال ظاهرة، فإذا وقفنا عند الأعمال فقط حينئذٍ لا يجوز تفسير هذه الجملة في الحديث (ليس منَّا) على ظاهرها كما لا يجوز تفسير تلك الآية وما شابهها أيضًا على ظاهرها.
(ليس منَّا) يُقال: على طريقتنا وعلى محاسن أخلاقنا، (فهو منهم) أي في أخلاقهم وعاداتهم السيئة، أمَّا إذا أردنا أن نقول: (فليس منَّا) مُطلقا أي ليس مُسلما، أو (فهو منهم) مطلقا أي فهو كافر فهنا يجب أن يُلاحظ شيئا آخر له علاقة بالقلب.
(فهو منهم) : إن كان يواليهم ويُعاونهم ويُناصرهم على المسلمين وهو يستحل ذلك بقلبه أيضا فالآية حينذاك على ظاهرها، فهو منهم قلبًا وقالبَا.