لذلك يجب أحولًا أن نحافظ على هذا الأدب الإسلامي، وأن نعرف -ثانيًا محلّه، ألّا نجلس بين اثنين محله: إذا كان المجلس مجلسًا خاصًّا، أمّا إذا كان مجلسا عامّا فلا بأس من الجلوس؛ لأن هذا الجلوس ليس هو المقصود بالنهي في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ لرجلٍ أن يُفرّق بين اثنين إلّا بإذنهما) .
وأدبٌ ثالث من آداب المجالس هو قوله: (وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا قام أحدكم من مجلسهِ ثم رجع إليه فهو أحقُّ به) هذا الحديث وأمثاله يؤيد حديثًا شائعا بين الناس، ولا أصل له باللفظ الشائع، وهو قولهم:"من سبق إلى مباحٍ فهو له"، هذا حديث لا أصل له في ما ورد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن هناك أحاديث عديدة تؤدّي هذا المعنى، من ذلك الحديث الذي هو بين أيدينا الآن، حيث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُقرر فيه أن من كان في مجلسٍ ثم تركه وانطلق لحاجةٍ ليعود إلى ذلك المجلس فهو أحقُّ به، ولا يجوز لمن جاء من بعده أن يجلسَ فيه وأن يحتلّه بدلًا عنه، هذا مما يُشبه الاغتصاب، وهذا يُحقق معنى ذاك الحديث الذي ألمحنا إليه:"من سبق إلى مباحٍ، فهو له".
إذن الرجلُ أحق بمجلسه، ولكن أي مجلس هذا الذي يكون هو أحق به ممن يأتي من بعده؟؟ ذلك المجلس الذي يُستعمل لوقتٍ مُحدد، كرجل مثلا يأتي المسجد ليُصلّي ثم يَعرِضُ له ما يضطرّه إلى أن يخرج مثلا ليُجدد مثلا وضوء، فإذا خرج وعاد فهو بذاك المجلس أولى ممَّن جاء بعده؛ ولذلك فلا مانع من وضع ثوب أو أي شيء آخر يُشعر الداخل بأن هذا المكان مشغول وأن صاحبه ذهب لحاجة له، وقريبا سيعود، مثل هذا يجب في الشرع المحافظة على حقِّ من سبق بالجلوس في ذلك المكان.