وهاهنا أدبٌ آخر من هذه الآداب وهو الذي تضمّنه الحديث التاسع وهو قوله: وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحلُّ لرجلٍ أن يُفرّق بين اثنين إلّا بإذنهما) .
هذا النَّهي إنّما يتحقق -لقد قلنا آنفا، فلم يبقى في القوس منزع كما يُقال- هذا النهي في هذا الحديث (لا يحلُّ لرجلٍ أن يُفرّق بين اثنين) محلُّه حيث كان هناك اثنان جالسَين وليس كما هو الوضع هاهنا الآن، فلابد من التفريق بين الجالسَين ومزاحمتهما في مجلسهما؛ لكي يحظى هو بمجلسٍ ولو كان كمَفحَصِ قطاة؛ لكي يتمكّن من الإصغاء لما يُلقى من العلم، ليس هذا هو المقصود بهذا الحديث، وإنّما المقصود به إذا كان اثنان يجلسان في مجلس خاص، وهما يتواددان ويتسارّان في الحديث فليس من الأدب الإسلامي مطلقًا أن تأتيَ أنت وقد دخلت المجلس مُحدثًا جديدًا أن تنزل بينهما- كما يقول العامّي اليوم مثل الإسفين - هذا تفريق بينهما لا يجوز في الإسلام، فعليك أن تجلس عن يمين أحدهما أو يسار الآخر، فلا يحلُّ لمُسلم أن يجلس بين اثنين، جاء الاستثناء (إلّا بإذنهما) ، إذا كان ليس هناك حديث خاص بينهما فأذِنا له بأن يجلس بينهما، فلا بأس من ذلك، وأمّا أن تفرض أنت نفسك وشخصك فتجلس بينهما بدون إذن منهما فهذا لا يجوز، وهذا كما قلنا محله في المجلس الخاص، حيث جلس اثنان -كما قلنا- يتحابان ويتواددان، فلا يجوز -والحالة هذه- أن تجلس أنت بينهما إلا بإذنهما، أمّا المجالس العامّة كمثل هذا المجلس فلابد من أن يجلس الداخل بين اثنين، لكن هما ليس اثنان فقط، فهناك عشرات بل ربما مئات.