والمعنى الثاني وهو الصحيح (لم يدخلا الجنة جميعا أبدا) أي مع بعض، يعني الجزاء من جنس العمل، كما أنهما حكما على أنفسهما في الحياة التي ابتعد أحدهما عن الآخر، فعاش كل منهما بعيد عن الآخر هاهنا في الدنيا مع علمهما بتحريم الشارع الحكيم لذلك عليهما، فسيكون عقابهما عند الله -تبارك وتعالى- يوم القيامة أنَّهما إن دخلا الجنّة عاش كلُّ منهما بعيد عن الآخر ولن يدخلا الجنة جميعا أبدا، إنَّما هذا من هنا وهذا من هنا ولا يلتقيان أبدا، وهذا عقاب من الله -عز وجل - ومجازاة منه من جنس العمل لكل منهما، وهذا المعنى هو المعنى الصحيح؛ لأن في الواقع لفظة (أبدًا) معناها أنهما لا يلتقيان قطعا، وقد ترجَّح عندي هذا المعنى على الرغم أن شارح هذا الكتاب لم يتعرَّض له مطلقا أنني وجدتُ في رواية للإمام أحمد بدل قوله في رواية الكتاب: (لم يدخلا الجنة جميعا أبدا) ، قال أحمد في إحدى روايتيه: (لم يجتمعا في الجنَّة أبدا) ، فهذه الرواية تُفسِّر رواية الكتاب، فيكون معنى (لم يدخلا الجنة جميعا أبدا) أي إنَّهم حين دخول الجنَّة لا يلتقيان وبالتالي طيلة إقامتهما الأبدية في الجنَّة أيضا لا يلتقيان جزاء تقاطعهما بدون عذرٍ شرعيٍ في حياتهما في الدنيا، وهذا كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة (من شرِب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) ، (ومن لبِس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) ، (ومن لبس الذهب في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) ، ذلك مع أن الله -عز وجل - قد ذكر في غير ما آية بأن لباس الجنَّة الذهب والحرير، وقال صراحةً (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [فاطر:33] مع ذلك يستثني ربنا -عز وجل- فيما أخبر به نبينا صلَّى الله عليه وسلَّم أن من لبس الحرير في الدنيا حُرِّم أن يلبسه في الآخرة، مع أن من نعيم أهل الجنَّة أن يلبسوا الحرير، كذلك الذي يشرب الخمر في الدنيا أي يتعجَّلُها فيُحرَمها يوم القيامة في الجنَّة، إذن هذا من باب الجزاء من جنس