هذان الحديثان أحدهما من حديث أبي سعيد الخُدري وهو مُتَّفق عليه بين الشيخين، والآخر من حديث أبي هريرة تفرَّد [ ... ] الحاكم في المُستدرك. حديث أبي هريرة هو حديثٌ طويل أو فيه بعض الطول، كان أورده المُصنِّف -رحمه الله - في باب النهي عن المسألة: يعني السؤال، في كتاب الزكاة، وهناك يقول الحديث أن بعض الأنصار جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألونه أي شيئًا من العطاء والمال، فأعطاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم سألوه، فأعطاهم أيضًا، وهكذا في المرة الثالثة سألوه فأعطاهم، ثم وعظهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما يصرفهم عن أن يعودوا إلى السؤال المذكور مرَّة أخرى إلّا لضرورة مُلحَّة، فقال - صلى الله عليه وسلم - في هذه المناسبة: (من يستعفف يُعفُّه الله) ثم قال: (ومن يتصبَّر يُصبّره الله) ، الشاهد أن هذه الفقرة التي ذكرها المؤلِّف هاهنا من الحديث لها صلةٌ واضحة بباب الترغيب في الصبر، لكن نلاحظ بأن هذا الحديث لم يقل: (ومن يصبر) وإنَّما قال: (ومن يتصبَّر يُصبّره الله) ، فهنا فائدة شرعية خُلُقية تربوية -كما يقولون اليوم- هذه الفائدة هي أن الأخلاق منها ما هي جبليَّة فطرية ومنها ما هو كسبيٌ وباجتهاد من المُكلَّف، ولاشك أن كثير من النَّاس يُجبَلون ويُفطَرون على كثير من الأخلاق الطيبة الحسنة كالصبر وكالجود والكرم وكالشجاعة ونحو ذلك من الأخلاق الحسنة الصالحة، ولكن ليس معنى ذلك أن القضية متوقفةٌ على الحظ وعلى الفطرة والجبلَّة فقط، وإنَّما هناك أيضا مجالٌ بأن يكتسب المسلم من هذه الأخلاق ما لم يُرزق منها فضلا من الله -عز وجل - وخوفا منه لهذا الإنسان عليها مباشرةً.