فهذا الحديث جاء ليُصرف النظر إلى هذه الحقيقة، فهو يقول: (ومن يتصبَّر يُصبّره الله) أي ومن يتخلَّق ويتكلَّف أن يحمل نفسه على الصبر فالله -عز وجل - يُعينه على ذلك ويُصبّره، لذلك لا ييأس الرجل إذا ما لاحظ من نفسه فيه ضعف ما في خُلُقٍ ما، فيقول إن الأخلاق مقسومة كالأرزاق مثلا لأننا سنقول: هذا كلام صحيح، لكن ذلك لا ينفي أبدا أن يتعاطى المُسلم الأسباب التي يُقوي بها في نفسه الأخلاق الحسنة التي أمر الشارع بها، ولعل الحديث المشهور والصحيح الإسناد، ألا وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنَّما بُعثُ لأتمم مكارم الأخلاق) فيه لفتة نظر لطيفة إلى هذه القضية، وإلَّا ما فائدة هذا البعث إذا كانت القضية مربوطة بالأشخاص الذين فُطِروا وجُبلوا فقط هؤلاء الذين فُطروا على الأخلاق الحسنة وجماهير الناس يذهبون هكذا سُدىً وهباءً منثورا؛ لأنه لا سيبل لهم إلى أن يتخلَّقوا بالأخلاق الصالحة، جواب الأمر ليس كذلك. فالله-عز وجل - قد فطر الناس - ولا شك على طبائع وعلى الأخلاق، ولكنَّه -تبارك وتعالى - لكمال ربوبيته أيضًا جبلهم وفطرهم على ما به يتمكَّنون من إصلاح ما بهم من خُلُقٍ سيئ، ولولا هذا لم يكن هناك فائدة من إرسال الرُسل وإنزال الكتب؛ لأن كل إنسان سيقول: أنا وما فُطرتُ عليه من خير أو شر.