هذه المسألة تمامًا لها علاقة بالسعي وتعاطي الأسباب كالمسألة الأخرى -والتي هي أهم - ألا وهي مسألة القضاء والقدر التي شغلت العلماء قديمًا وحديثًا، علماء شرعيين أو فلاسفة دهريين وأمثالهم، فكثير من هؤلاء حتى من العلماء الشرعيين فهموا من القدر ما يُساوي الجبر، وأن الإنسان لا يملك شيئا من التصرُّف إطلاقا وإنَّما هو القدر أي بزعمهم الجبر. فالأمر ليس هكذا، وإنَّما هناك سعي من الإنسان وإرادة وكسب، وبهذه هذه الإرادة وبهذا الكسب جاءت الأحكام الشرعية لتقول: إفعل، ولا تفعل، ومن ذلك: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النحل:123] فإن كان الإنسان لا يستطيع مثلا أن يصبر إلَّا إذا كان فُطِر وجُبِل على الصبر لم يكن لمثل هذا الأمر فائدة، بل كان ذلك من باب تكليف ما لا يُطاق، وتكليف ما لا يُطاق هو باب مُغلق ليس له أصل في الشرع إلَّا بعض النَّاس الذين انحرفوا في العقيدة فتصوَّروا ربَّهم تبارك وتعالى - في عزَّته وفي كبريائه جبَّارًا يفعل ما يشاء دون حكمة ودون أي عدل -هكذا يتصوَّرون، وأهل السنَّة الذين وفَّقهم الله -تبارك وتعالى - لفهم هذه المسألة الخطيرة -مسألة القضاء والقدر - فهمًا لا يتعارض مع النصوص ولا مع مبادئ الأخلاق، يقولون: إنَّ الله -عز وجل - بلا شك فعَّالٌ لما يُريد، لا يُسئَلُ عمَّا يفعل، وهذا لا ينبغي تفسيره أن يُقال: فعَّال لما يُريد أي يظلم لأنه فعَّال لما يرد.