قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية: (فإنّ من تولاّهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم، فإنّه لا يتولّى متولٍ أحدًا إلاّ وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه) [28] . ... وهكذا علمنا كفر هؤلاء الحكّام من هذا الباب، فهؤلاء الحكّام مكّنوا للمشركين واليهود والنصارى من بلاد المسلمين. ... ثمّ من صور الموالاة التي وقع فيها هؤلاء المرتدّون؛ هو الدخول في طاعة المشركين، وذلك بالانقياد لهم واتّباع شريعتهم والانضمام إلى طوائفهم، والتي هي المؤسّسات التي تدين بدين الشيطان من مذاهب إنسانية، كقولهم؛"لا فرق بين إنسان وآخر حسب دينه"، فدعوا إلى المساواة بين المسلم والمشرك تحت دعوة المذهب الإنساني الذي نشره اليهود في هؤلاء البهائم. ... والله تعالى قد قطع موالاة المؤمن للمشرك وأوجب عليه بغضه وبغض دينه، قال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فأولئك هم الظالمون} ، ففي هذه الآية قطع الله علائق الموالاة بين المؤمن وبين أبيه وأخيه الكافر، فكيف بالأجنبيّ؟ ... وفيها من بيان ضلال وكفر ما يُسمّى في بلادنا بأخوّة المواطنة المزعومة، فإنّ دساتير وقوانين البلاد التي حكّمها هؤلاء المرتدّون تنصّ على المساواة بين أهل البلد الواحد دون اعتبار دينه وعقيدته تحت دعوى المواطنة المزعومة، فهم يقولون:"الدين لله والوطن للجميع"، ومعناه؛ أنّ قانون المواطنة لا يفرّق بين الناس باعتبار الدين والاعتقاد، فالمسلم والكافر عندهم سواء، والله جعل مَن والى كافرًا مثله في الحكم، قال تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} . ... وإنّ مما أجمع الأنبياء على تبليغه للناس؛ هو البراءة من المشركين، كما قال تعالى عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتّى تؤمنوا بالله وحده} . ... ثمّ انظروا إلى هؤلاء الملاعين ماذا فعلوا بالمسلمين والدعاة إلى الله؛ لقد علّقوا لهم المشانق وملؤوا بهم السجون وشرّدوهم في الأرض، فما من دولة من هذه الدول إلاّ وقد ابتُلِيَ الدعاة إلى الله تعالى فيها، فسُجنوا وعُذّبوا وقُتّلوا، {وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} ، وأخرجوا الشباب من البلاد لطهرهم، كما قال تعالى على لسان قوم لوط: {أخرِجُوهم من قريتكم إنّهم أُناسٌ يتطهّرون} . ... فهؤلاء الحكّام خرجوا من دين الله تعالى من هذه الأبواب ومن غيرها، وهذا من العلم الضروري الذي يجب أن لا يجهله أحد من أهل الإسلام. ... [15] الاحكام في أصول الأحكام: 5/ 153. ... [16] مجموع الفتاوى: 28/ 524. ... [17] مجموع الفتاوى: 11/ 262. ... [18] مجموع الفتاوى: 3/ 267. ... [19] البداية والنهاية: 13/ 119. ... [20] الدرر السنّية: 8/ 241. ... [21] أهمّية الجهاد: ص196. ... [22] رسالة تحكيم القوانين. ... [23] 3/ 441. ... [24] 4/ 82 - 83. ... [25] عمدة التفسير: 3/ 214. ... [26] السابق: 4/ 174. ... [27] هامش فتح المجيد. ... [28] 6/ 277.