الصفحة 4 من 16

وقد كتب الله تعالى لدينه الظهور والرفعة والغلبة بالحجّة والبيان وبالسيف والسنان، قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون} . ... وقد جاء صلى الله عليه وسلم ابتلًاء للناس، قال: (إنّي مبتليك ومُبتلٍ بك) [5] . ... ومن أجل إقامة الدين وحصول الرفعة والغلبة أرسل الله مع نبيّه الكتاب والميزان والحديد، قال تعالى: {لقد أرسلنا رُسُلَنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصُرُه ورسُلَه بالغيب إن الله لقويٌّ عزيز} . ... فكتابه يهدي إلى الحقّ، والحديد يُقوِّم من خرج عنه، والناس لا يُصلِحُهم إلاّ هذا، ومتى ضعف في الناس أحدُ الأمرين - الكتاب والحديد - حصل الفساد والخراب. ... قال صلى الله عليه وسلم: (بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتّى يُعبَدَ الله وحده) . ... فكان هذا ميراثه في أمّته؛ الكتاب الهادي والسيف المانع المقوّم، فكان الناس قسمين؛ علماء وأهل جهاد، وقد جمع الله هاتين الفضيلتين لخير الخلق بعد الأنبياء وهم الصحابة، قال تعالى: {محمّد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماءُ بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار} . ... وقال عليه الصلاة والسلام: (إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنّما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ عظيم وافر) [6] . ... فكما أمر الله تعالى نبيّه بالاقتداء في الأنبياء، كما قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ، فكذلك أمر الله أمّة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم أن تقتدي به، فأسرع الناسُ في التسابق في أخذ ميراثه وإقامته في أنفسهم وفي الناس، فمن أقبل على دين الله يريده ويبتغيه؛ علّموه وفقّهوه. ... كما قال عليه الصلاة والسلام: (نضّر الله امرءً سمع مقالتي فوعاها وأدّاها كما سمعها) [7] . ... ومن أعرض عنه؛ قاتلوه حتّى يخضع لحكم الله تعالى، كما قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} . ... وهكذا كان دور أتباع محمّد، وهذا كان عملهم؛ هداية الخلق إلى الحقّ وتقويم من أعرض وتعدّى، لا عمل لهم في حقيقة الأمر إلاّ هذا. ... فلمّا توفيّ رسول الله انتشر الصحابة في الآفاق، فخرج جيش أسامة لقتال الروم، وخرجت جموع الصحابة لقتال من ارتدّ من العرب عن الإسلام، ثمَّ حملوا هذا الدين للتابعين ثمّ جيلًا بعد جيل. ... قال عليه الصلاة والسلام: (يحمل هذا العلم من كلّ خَلَفٍ عُدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) [8] . ... فكان مداد العلماء ودماء الشهداء؛ هما أحبّ ما يتقرّب به إلى الله تعالى، مداد العلماء؛ لهداية الخلق وتعليمهم السنّة وكشف البدعة ونشر الحقّ، ودماء الشهداء؛ من أجل نشر التنزيل وحفظ التأويل، وكلّما أظهر الناس بدعة قام لها العلماء حقّ القيام فأزالوا عنها زيفها ونفّروا الناس منها، وكلما جهل الناس سنّة أظهروها وعلّموها الأمّة، وكلّما خرج عن هذه الأمّة من داخلها من يريد لها شرًّا أو جاء من خارجها ليستبيح بيضتها؛ قاموا له بالسيف حتّى يكسروا له قرنه ويردّوه على عقبيه ويدخلوه حجره. ... كذا فعل الصدّيق مع المرتدّين، وكذا فعل عليّ بن أبي طالب مع الخوارج إذ أرسل لهم عبد الله بن عبّاس فناظرهم حتى ردّ أكثرهم ثمّ قاتلهم حتّى قتل منهم مقتلةً عظيمة، وهكذا فعل عمر بن عبد العزيز معهم. ... وقد كتب الله تعالى بقاء طائفة منصورة قائمة بالحقّ والهدى وحاملةً للسيف والسنان إلى قيام الساعة. ... قال عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة) ، قال: (فينزل عيسى بن مريم عليه السلام، فيقول إمامهم: تعالى صلّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمّة) [9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت