الصفحة 14 من 16

ثمّ إعلم؛ أنّ هذه البراءة توجب مقاتلة هؤلاء الحكّام، فإنّه إن كفر الحاكم وارتدّ عن شريعة الرحمن فإنه يُقاتل حتّى يُزال، ويُقام بدلًا منه رجلٌ من أهل الإيمان. ... وهذا هو الواجب الثاني. ... فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله) ، قال: (إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [29] . ... قال النووي: (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر ينعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها ... قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة؛ خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة؛ وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلاّ إذا ظنّوا القدرة عليه، فإنّ تحقّقوا العجز لم يجب القيام فيها، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه) [30] . ... وقال ابن حجر: (قال ابن التين: وقد أجمعوا أنّه - أي الخليفة - إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنّه يُقام عليه) . ... وقال ابن حجر: (وملخّصه؛ أنّه ينعزل بالكفر إجماعًا، فجيب على كلّ مسلم القيام في ذلك) [31] . ... فأنت ترى إجماع العلماء على أنّه لا يجوز للمسلم أن يرضى بحكم الكافر عليه، بل يجب أن تكون العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين - كما قال تعالى - وإنّ خضوع المسلم للكافر وأحكامه هي صور من صور الذلّة التي لا تنبغي للمؤمن. ... ثمّ إعلم حفظك الله أنّ حكم المرتدّ في ديننا - كما هو شأن هؤلاء الحكّام - أغلظُ وأشدّ من حكم الكافر الأصلي. ... قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكفر الردّة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي) [32] . ... وقال كذلك: (وقد استقرّت السنّة بأنّ عقوبة المرتدّ أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعدّدة، منها أنّ المرتدّ يُقتل بكلّ حال ولا يُضرب عليه جزية، ولا تُعقَد له ذمّة، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنّه لا يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أنّّ المرتدّ يُقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومنها أنّ المرتدّ لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام) [33] . ... وقد أنكر الإمام أحمد عقد الذمّة للمرتدّ. ... ففي"جامع الخلال"قال الأثرم: (سمعت أبا عبد الله يُسأل عن الزنادقة تُؤخذ منهم الجزية؟ فأنكر ذلك، وقال: لا بل تُضرب أعناقهم، ما سمعنا بهذا في الإسلام، ثمّ قال: سبحان الله؟! تُؤخذ الجزية من الزنادقة؟ منكرًا لذلك جدًّا، قال الأثرم: وأظهر إنكار ذلك واستعظمه) [34] . ... بل إنّهم رأوا في المرتدّ أن لا يُدفن. ... قال إسحق بن منصور: (قلت لأحمد: المرتدّ إذا قُتل ما يُصنع بجيفته؟ قال: يُقال؛ يُترك حيث ضُرب عنقه كأنّما كان ذاك المكان قبره، يُعجبني هذا) [35] . ... وقال ابن تيمية: (والصدّيق رضي الله عنه وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدّين قبل جهاد الكفّار من أهل الكتاب، فإنّ جهاد هؤلاء حفظ لما فُتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب؛ من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدّم على الربح) [36] . ... فواجب كل مسلم أن يجاهد هؤلاء حتّى يخلعهم ويزيلهم عن ولاية المسلمين، ويجب على المسلمين جميعًا أن ينشغلوا بإعداد أدوات الجهاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، من أجل إعادة سلطان المسلمين إلى هذه الأرض التي فتحها المسلمون بدمائهم، فجاء هؤلاء الحكّام الملاعين فغيّروا الملّة والدين وبدّلوا الشريعة وأعادوا سلطان المشركين إليها. ... ثمّ إعلم أنّ هؤلاء الحكّام مفسدون في الأرض، بسبب ما هم عليه من البغض لهذه الأمّة، وبسبب حكمهم بشريعة الشيطان، والله قد أمر المؤمنين بجهاد المفسدين في الأرض، قال تعالى: {إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفَوا من الأرض} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت