وإليك الدليل ردّة من بدّل شريعة الرحمن وحكم بشريعة الشيطان: ... يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه أو حرّم الحلال المجمع عليه أو بدّل الشرع المجمع عليه؛ كان كافرًا باتّفاق الفقهاء) . ... والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر، وهو المعبود، ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرًا ناهيًا حاكمًا على غيره من خلال التشريع والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة؛ فقد جعل نفسه إلهًا مطاعًا معبودًا يُعبَد. ... الأدلّة من القرآن والسنّة: ... إنّ ممّا اتّفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين هو الدعوة إلى توحيد الله في العبادة والقصد والطلب، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وكان ممّا يدخل في عبادة الله تعالى، بل هو قاعدة العبادة وأصلها، هو إفراد الله تعالى في الطاعة والامتثال، فالله هو الحَكَمُ وله الحُكم. قال تعالى: {إنِ الحكمُ إلاّ لله} ، وقال تعالى: {ألا له الحكم} ، وقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} ، وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ، وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} . ... فهذه الآيات؛ تبيّن بوضوح وجلاء أنّ حقّ الحكم هو لله وحده، بل إنّ معنى الإله هو المعبود، والعبودية تقوم على الطاعة وامتثال الأمر، ولا تصحّ عبوديّة دون امتثال أمر السيّد الآمر وهو المعبود. ... ولذلك فكلّ من اتّخذ من نفسه آمرًا ناهيًا حاكمًا على غيره من خلال التشريع - والذي معناه تسمية الأشياء ووصفها بالحلّ والحرمة -؛ فقد جعل نفسه إلهًا مطاعًا معبودًا يُعبَد، قال تعالى: {أم لهم شركاءُ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، فقد سمّى الله المشرّع شريكًا وسمّى ما شرّع دينًا، وأصل كلمة الدين تعني الخضوع، وهكذا حال المطيع لشرع غيره فإنّما هو خاضع له، وهو معنى الدين، فهذه الآية جامعة لهذا الباب وهو تسمية المشرّع إلهًا، وتسمية الشرع الذي شرعه دينًا، وتسمية الطائع له مشركًا. ... وقال تعالى: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} . ... وقد فسّر النبيّ صلى الله عليه وسلم ربوبيّتهم على أتباعهم؛ بطاعة الأتباع لهم في ما أحلّوا وحرّموا. ... فعن عديّ بن حاتم أنّه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: {إتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمِروا إلاّ ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلاّ هو سبحانه عمّا يشركون} ، فقال: إنّا لسنا نعبدهم! فقال: (أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟) ، فقال: بلى، فقال: (فتلك عبادتهم) [13] . ... وقد قرّر الله في كتابه كفرَ من حكم بغير كتابه، فقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} . ... وسمّى الله من تحاكم الناس إليه من غير خضوع لأحكام الكتاب والسنّة؛ طاغوتًا، قال تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالًا بعيدًا} . ... وقال الشيخ الإمام محمد الأمين الشنقيطي في"أضواء البيان": (كلّ تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت) [14] . ... ومثل الآية التي تقدّمت: {أم لهم شركاء ... } ، قوله تعالى: {إنِ الحكم إلاّ لله أمر ألا تعبدوا إلاّ إياه ذلك الدين القيّم} ، فقد سمّى الله الحكم عبادة، وسمّى ما يُحكم به دينًا، فمن حكّم الله في كلّ أمر؛ فقد عبده واتّخذ دينه دينًا، ومن حكّم الطاغوت في أيّ أمرٍ؛ فقد عبده واتّخذ حكمه دينًا، وقد سمّى الله تعالى شرع الطواغيت؛ دينًا، كما سمّى شرعه؛ دينًا، فقال تعالى عن يوسف: {كذلك كدنا ليوسف، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلاّ أن يشاء الله} ، فقد سمّى شرعَ الملك وحكمَه وملكَه دينًا. ... [13] رواه الترمذيّ وحسّنه. ... [14] 7/ 65.