*شيخنا أبو صالح الجيلي من أكابر العلماء ببغداد وأجلاء الشيوخ والصلحاء، من بيت الزهد والصلاح والعلم والرواية والجلالة والنبل.
تفقه في صغره على أبيه في مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ثم صحب محمد بن علي النوقاني الفقيه الشافعي.
واشتغل عليه في الأصول والخلاف حتى برع في ذلك وتقدم، ثم ولي التدريس بمدرسة جده رضي الله عنه بباب الأزج وبالمدرسة الشاطبة عند باب المراتب.
وبنيت له دكة بجامع القصر للمناظرة وكان تدريسه في سنة أربع وست مائة، وعقد مجلس الوعظ بمدرسة جده وكان يحضر عنده خلق كثير وجم غفير.
ثم ولاه الظاهر بأمر الله قضاء القضاء ببغداد في يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة من سنة اثتين وعشرين وست مائة.
وقرئ عهده في جوامع بغداد الثلاثة وخلع عليه السواد. واستمر على الولاية إلى أن انصرف في الثالث والعشرين من ذي القعدة من سنة ثلاث وعشرين في أثناء خلافة المستنصر بالله.
وكان قد سمع الحديث من أبيه، ومن عمه أبي عبد الله عبد الوهاب، ومن أبي هاشم عيسى بن أحمد الدوشابي، والأسعد بن بلدرك الجبريلي، وأبي شجاع سعيد بن صافي الجمالي، وأبي العباس #562# أحمد بن المبارك المرقعاتي، وعبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، وعبد المحسن ابن تريك، ومسلم بن ثابت بن النحاس، وخديجة بنت أحمد النهرواني، والكاتبة شهدة بنت الإبري، وغيرهم.
وكان صحيح السماع، ثقة، كثير التحري في الرواية، محققا لما يؤديه، عالما غزير الفضل، له في المذهب اليد الطولى، وفي الحديث معرفة حسنة.
وكان حسن المناظرة، مليح الكلام في فن الخلاف.
وسار في ولايته طريقة السلف الصالح من إقامة حدود الشرع غير محاب في دين الله مع التواضع التام، حتى أنه يخرج إلى الجمعة ماشيا، وإذا ركب لا يمكن أحدا من الصياح بين يديه، ويأذن للشهود في الكتابة من دواته في مجلسه، ويملي الحديث في مجلس حكمه، ويكتب الناس عنه بإملائه، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، وإن كان متصفا بذلك في غير ولايته، إلا أن الاتصاف بذلك في الولاية أبلغ لتغير الناس غالبا فيها لا سيما في هذه الأعصار.
حدث بالكثير وحمل الحفاظ وغيرهم عنه.
وقد أجازني جميع ما يرويه غير مرة.
ولد في سحر الرابع والعشرين من ربيع الآخر من سنة أربع وستين وخمس مائة ببغداد.
وتوفي رضي الله عنه في سحرة يوم الأحد السادس عشر من شوال من سنة #563# ثلاث وثلاثين وست مائة ببغداد.
وصلي عليه من الغد بجامع القصر، وكان يوما مشهودا، وحمل إلى مقبرة باب حرب فدفن إلى جانب قبر الإمام أحمد بن حنبل في دكته.
وقيل: أنه دفن معه ثم نقل بعد ... ذلك بأيام ودفن في موضع آخر من المقبرة المذكورة.