خلق السماوات والأراضين, وأن الأيام والسنين كلها تمضي وتسري على وفق ما أراد لها خالقها, وأنها لا تتغير ولا تتبدل, تسير متعبدة لخالقها وبارئها سبحانه وتعالى, ثم بين"أن السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم. ثلاثة متواليات وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب منفرد عنهم بين جمادي وشعبان. وأكد على الثلاث المتواليات, إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - إلى إبطال ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تأخير بعض الأشهر الحرم. فقيل: كانوا يؤخرون شهر محرم إلى صفر. فيجعلونه من الأشهر الحرم, لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر فيحرم عليهم فيها القتال" [فتح الباري (8/ 325) ] ولذلك ذم الله سبحانه وتعالى أفعالهم هذه فقال: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } [التوبة:37] والنسيء: هو تأخير حرمة الشهر الحرام إلى شهر أخر.
وبعد أن قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الحقائق المعروفة عندهم بدأ يقررهم بحقائق أخرى, حتى يصل إلى مراده ومقصوده من هذه المقدمة في خطبته. وهذا يدل على كمال براعة الاستهلاك عنده - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم: «أتدرون أي شهر هذا؟ أتدرون أي بلد هذا؟ ... » فلما أقروا بحرمة ما تقدم قال لهم: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... » وفي هذه المقدمة والجمل من الفوائد الشيء الكثير نقتطف منها: