الثاني: انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالمًا بذلك قاصدًا له ، فإن كان جاهلًا لم يكفر . لقوله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (1) وقوله: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِل قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لهُمْ مَا يَتَّقُونَ } (2) وقوله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3) } .
لكن إن فرَّط بترك التعلُّم والتبيُّن لم يُعذَر ، مثل أنْ يبلغَه أنَّ عمله هذا كفرٌ فلا يتثبَّت ، ولا يبحث فإنَّه لا يكون معذورًا حينئذٍ .
وإنْ كان غير قاصدٍ لعمل ما يكفِّر لم يكفُر بذلك ، مثل أنْ يُكره على الكفرِ وقلبه مطمئنُّ بالإيمان ، ومثل أنْ ينغلق فكرُه فلا يدري ما يقول لشدَّة فرحٍ ونحوه ، كقول صاحب البعير الذي أضلَّها ، ثم اضطجع تحت شجرةٍ ينتظر الموت فإذا بخطامِها متعلقًا بالشجرة فأخذه ، وقال: (اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك) أخطأ من شدَّة الفرح .
لكن من عمل شيئًا مكفِّرًا مازحًا فإنَّه يكفر لأنَّه قصد ذلك ، كما نصَّ عليه أهل العلم )) (4) .
وفي"المجموع"أيضًا:
(( وسُئِل - حفظه الله -: عن حكم من يمزح بكلامٍ فيه استهزاءٌ بالله أو الرَّسول ? ، أو الدِّين ؟
(1) سورة النساء: 115.
(2) سورة التوبة: 115.
(3) سورة الإسراء: 15.
(4) انظر"مجموع الفتاوى"له (2/125-126) دار الوطن ط1- 1412هـ.
تعليق: كلمة"قصد"تتكرَّر كثيرًا في كلام العلماء عند الحديث عن الرِّدَّة والتَّكفير ويظنُّ البعض أنَّ المقصود بها"اعتقد"وهنا الشيخ يوضح أنَّ المقصود بها تعمَّد ، وضدُّها الجهل والخطأ والانغلاق على الشخص والإكراه وما شابه ذلك. فتأمل .