الوجه الثالث: أَنَّ اعتقاد حلِّ السَّبِّ كفر ، سواء اقترن به وجود السبِّ أو لم يقترن ، فإذًا لا أثر للسبِّ في التَّكفير وجودًا وعدمًا ، وإِنَّما المؤثِّر هو الاعتقاد ، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء .
الوجه الرابع: أَنَّه إذا كان المكفِّر هو اعتقاد الحلِّ فليس في السبِّ ما يدلُّ على أَنَّ السَّابَّ مستحلٌّ ، فيجب أنْ لا يكفَّر ، لاسيَّما إذا قال"أنا أعتقد أَنَّ هذا حرامٌ ، وإِنَّما أقول غيظًا وسفَهًا ، أو عبثًا أو لعبًا"كما قال المنافقون: { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } .
وكما إذا قال: إِنَّما قذفت هذا وكذبت عليه لعبًا وعبثًا ، فإن قيل لا يكونون كفارًا فهو خلاف نصِّ القرآن ، وإنْ قيل يكونون كفارًا فهو تكفيرٌ بغير موجبٍ إذا لم يجعل نفس السَّبِّ مكفِّرًا ، وقول القائل: أنا لا أصدِّقه في هذا لا يستقيم ، فإنَّ التَّكفير لا يكون بأمرٍ محتملٍ ، فإذا كان قد قال: أنا أعتقد أنَّ ذلك ذنبٌ ومعصيةٌ وأنا أفعلُه ، فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرًا ؟
ولهذا قال سبحانه وتعالى: { لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } ولم يقل قد كذبتم في قولكم إِنَّما كنَّا نخوض ونلعب ، فلم يكذِّبهم في هذا العُذر كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين ، بل بَيَّن أَنَّهم كفروا بعد إيمانهم ، بهذا الخوض واللعب )) (1) .
(1) "الصارم المسلول" (ص514- 517 مع حذف يسير ) المكتب الإسلامي ط 1414هـ . وخلاصة كلامه أنّ سبّ النبي ? بمجرّده كفر سواء استحلّ السابّ أو لم يستحلّ وسواء قال اعتقد ذلك أو لم يقل وسواء كان جادًّا أو مازحًا .