قال صاحب العمدة: وكون جهاد هؤلاء الطواغيت فرض عين، هو من العلم الواجب إشاعته في عموم المسلمين، ليعلم كل مسلم أنه مأمور شخصيًا من ربه سبحانه بقتال هؤلاء. فإن هؤلاء الطواغيت يضربون سياجًا من العزلة المميتة بين عامة المسلمين، وبين المتمسكين بدينهم، ليتسنى لهم ضرب المتمسكين بدينهم وسط جهل العامة وصمتهم، في حين أن كل فرد من العامة مخاطب بنفس الفريضة ما دام مسلمًا وإن كان فاسقًا ومرتكبًا للموبقات، فإن الفسق لا يسقط الخطاب الشرعي بالجهاد، (أنظر الملحق الرابع في كتاب: العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله) . فالواجب على المتمسكين بدينهم كسر حاجز العزلة هذا بإعلام العامة عن طريق الدعوة الفردية والدعوة العامة بفرضية هذا الجهاد، لتتحول قضية الجهاد إلى قضية جميع المسلمين لا قضية جماعات الصفوة التي يمكن أن تُضرب في يوم وليلة، وليتحول الجهاد من قضية للخاصة إلى قضية للعامة، وهنا تنقلب الدائرة على الطواغيت وأعوانهم فيتم عزلهم بعد كشف كفرهم وإجرامهم، قال تعالى: {وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} ، وقال تعالى في الحديث القدسي: لنبيه صلى الله عليه وسلم:"استخرجهم كما استخرجوك"، فكما أخرج هؤلاء الطواغيت المتمسكين بدينهم من بين العامة بالدعاية والتجهيل بالدين، يجب على المتمسكين عزل الطواغيت عن العامة بنشر العمل الشرعي بوجوب جهادهم. وكما أخرج الطواغيت المتمسكين بدينهم من أموالهم وحاصروهم وضيقوا عليهم معاشهم، قال تعال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} ، فكذلك يجب على المتمسكين بدينهم إخراج الطواغيت من الأموال التي يجندون بها الجيوش لمحاربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش بالمجاعة، فقال ابن مسعود:"إن قريشاُ لما غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد". ويحرم على كل مسلم دفع الأموال لهؤلاء الطواغيت في أي صورة من جمارك وضرائب ونحوها إلا مضطرًا أو مكرهًا، قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ، وقال تعالى: {ولا تُؤتوا السفهاء أموالكم} ، وليكن معلومًا أنه لا شرعية لهذه الحكومات الطاغوتية ولا لقوانينها، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، كما يجب على المسلمين السعي في الاستيلاء على أموال الكافرين بالقهر (وهي الغنيمة) وبالحيلة ونحوها، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستيلاء على أموال قريش ليستعين بها المسلمون فكانت وقعة بدر، وبالجملة يجب تحويل قضية الجهاد من قضية للخاصة إلى قضية للعامة، إذ أن حصر هذه القضية في الخاصة لن يأتي بثمرة التغيير المأمول لأن فيه مصادمة للقاعدة التي لا تتبدل {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم} ، وليس معنى هذا أنه يجب أن يشارك مجموع الشعب في بلد ما في هذه القضية، فهذا مستبعد، ولكن المطلوب أن تشارك نسبة معينة من الشعب تتكون بها الشوكة القادرة على فرض النظام الإسلامي ثم حمايته من أعدائه في الداخل والخارج، أما بقية الشعب فيكفي أن تكون متعاطفة أو على الأقل محايدة حتى يتبين لهم الحق، كذلك يجب توعية العامة بأنه من لم يستطع منهم أن يكون له دور إيجابي في مواجهة الطواغيت، فلا أقل من أن يكون له دور سلبي يتمثل في عدم معاونة الطواغيت، وبتصعيد المواجهة يتصاعد بطشهم وإيذاءهم للمؤمنين وبذلك تدخل قضية الجهاد كل يوم بيتًا جديدًا من بيوت المسلمين وتكسب الدعوة أنصارا جددًا، حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد. وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} .
قال الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز: هناك شبهة متعلقة بجهاد هؤلاء الحكام المرتدين، وهي أقرب أن تكون إلى