أضحوكة أتى بها أحد المعاصرين إذ زعم أن قتالهم لا يسمى جهادًا وإنما توصيفه الفهمي أنه خروج على الحاكم، أما الجهاد فهو في المصطلح قتال الكفار، هذا حاصل قوله، والرد عليه من ثلاثة أوجه:
أ- أن هذا الحاكم ليس مسلمًا من الأصل حتى يقال للمسلم الذي يقاتله أنه خارج عليه، فهؤلاء الحكام لم تنعقد لهم بيعات شرعية على الحكم بالكتاب والسنة، وإنما تولوا على الحكم بالدستور والقانون الوضعيين، وبالتالي فلم يكونوا حكامًا شرعيين في يوم من الأيام حتى يخرج عليهم.
ب- أنه إذا كان الجهاد في الاصطلاح هو قتال الكفار، فهؤلاء الحكام كفار بقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ، وإذا كنا نسميهم مرتدين فهذا لا يمنع من أن المرتد كافر بنص قوله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر} ، وقال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، فالمرتدون صنف من أصناف الكفار.
جـ - أن قتال المرتدين هو جهاد بنص قوله تعالى: من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتِ الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، وقال ابن تيمية: في هذه الآية ولفظها يصرح بأنهم جماعة -وذكر الآية- أفليس صريحًا في أن هؤلاء ليسوا رجلًا، فإن الرجل لا يسمى قومًا في لغة العرب لا حقيقة ولا مجازًا. -إلى أن قال-بل هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قوما يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين.
فقتال الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله هو جهاد بلا ريب، وإلا لزم الشبهة أن أبا بكر وسائر الصحابة - رضي الله عنه - عندما قاتلوا المرتدين لم يكونوا مجاهدين في سبيل الله.
وقال شيخنا السلفي الجهادى أبو قتادة الفلسطيني أعزه الله: ثمّ اعلم أنّ هذه البراءة توجب مقاتلة هؤلاء الحكّام، فإنّه إن كفر الحاكم وارتدّ عن شريعة الرحمن فإنه يُقاتل حتّى يُزال ويُقام بدلًا منه رجلٌ من أهل الإيمان. وهذا هو الواجب الثاني. فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» .
قال النووي: قال القاضي عياض: «أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر ينعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها ... قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلاّ إذا ظنّوا القدرة عليه فإنّ تحقّقوا العجز لم يجب القيام فيها وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه» .
وقال ابن حجر: «قال ابن التين: وقد أجمعوا أنّه -أي الخليفة- إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنّه يُقام عليه» . وقال ابن حجر: «وملخّصه أنّه ينعزل بالكفر إجماعًا، فجيب على كلّ مسلم القيام في ذلك»