فأنت ترى إجماع العلماء على أنّه لا يجوز للمسلم أن يرضى بحكم الكافر عليه، بل يجب أن تكون العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين -كما قال تعالى- وإنّ خضوع المسلم للكافر وأحكامه هي صور من صور الذلّة التي لا تنبغي للمؤمن، ثمّ إعلم حفظك الله أنّ حكم المرتدّ في ديننا -كما هو شأن هؤلاء الحكّام- أغلظُ وأشدّ من حكم الكافر الأصلي. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وكفر الردّة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي» . وقال كذلك: «وقد استقرّت السنّة بأنّ عقوبة المرتدّ أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعدّدة، منها أنّ المرتدّ يُقتل بكلّ حال ولا يُضرب عليه جزية، ولا تُعقَد له ذمّة، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنّه لا يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أنّّ المرتدّ يُقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومنها أنّ المرتدّ لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام» . وقد أنكر الإمام أحمد عقد الذمّة للمرتدّ، ففي جامع الخلال: «قال الأثرم: سمعت أبا عبدالله يُسأل عن الزنادقة تُؤخذ منهم الجزية؟ فأنكر ذلك، وقال: لا بل تُضرب أعناقهم، ما سمعنا بهذا في الإسلام. ثمّ قال: سبحان الله؟! تُؤخذ الجزية من الزنادقة؟ منكرًا لذلك جدًّا، قال الأثرم: وأظهر إنكار ذلك واستعظمه» . [فقرة 1340] .
بل إنّهم رأوا في المرتدّ أن لا يُدفن: قال إسحق بن منصور: «قلت لأحمد: المرتدّ إذا قُتل ما يُصنع بجيفته؟ قال: يُقال: يُترك حيث ضُرب عنقه كأنّما كان ذاك المكان قبره. يُعجبني هذا.» [السابق، فقرة 1301] .
وقال ابن تيمية: «والصدّيق رضي الله عته وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدّين قبل جهاد الكفّار من أهل الكتاب، فإنّ جهاد هؤلاء حفظ لما فُتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدّم على الربح» . فواجب كل مسلم أن يجاهد هؤلاء حتّى يخلعهم ويزيلهم عن ولاية المسلمين، ويجب على المسلمين جميعًا أن ينشغلوا بإعداد أدوات الجهاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا من أجل إعادة سلطان المسلمين إلى هذه الأرض التي فتحها المسلمون بدمائهم، فجاء هؤلاء الحكّام الملاعين فغيّروا الملّة والدين وبدّلوا الشريعة وأعادوا سلطان المشركين إليها.
ثمّ إعلم أنّ هؤلاء الحكّام مفسدون في الأرض بسبب ما هم عليه من البغض لهذه الأمّة، وبسبب حكمهم بشريعة الشيطان والله قد أمر المؤمنين بجهاد المفسدين في الأرض، قال تعالى: {إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفَوا من الأرض} .
وهؤلاء الحكّام اجتمع فيهم ما تقدّم من محاربة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بالإعراض عن شريعة الإسلام وترك الخضوع لأحكام الكتاب والسنّة والإفساد في الأرض، فالواجب أن يقوم أهل الإسلام عليهم كلّ قيام حتّى تطهّرَ الأرض منهم. وهذا الأمر يجب أن يكون اليوم قبل الغد، فإنّ كلّ يومٍ وكلّ لحظة تمرّ على أمّتنا وهم في سدّة الحكم يزداد شرّهم وتبتعد الأمّة عن دين الله تعالى، وذلك أنّهم، مع طوائف ومؤسّسات الفساد التي يديرونها، يجذّرون الفساد في المجتمعات وينشطوا بكلّ قوّتهم لأن يكون هو حياة الناس وثقافتهم وغذاؤهم، فليس الحكمة ما يزعم البعض بأنّ التأنّي خيرٌ من الإقدام في قتال هؤلاء المبدّلين والمرتدّين، بل الصحيح إنّه كلّما تعجّل أهل السنة والدعوة والجهاد في إزالة هؤلاء المرتدّين كلّما أحسنوا لأنفسهم وأحسنوا لأمّتهم.